ومن ذلك ما أنشدَه الشيخُ أبو علي في"الإغفال"1:
ولَوْلا جَنَانُ الليلِ ما آبَ عامرٌ ... إلى جَعْفرٍ، سِرْبالُه لم يُمَزَّقِ2
230 -وَمِمّا ظاهرُه أنَّه منه قوله:
إذا أتيت أبا مروان نسأله ... وجَدْتَه حاضِراهُ الجودُ والكَرمُ3
فقولُه:"حاضِراهُ الجودُ"، جملةٌ من المبتدأ والخبر كما تَرى، وليس فيها"وَاوٌ"، والمَوضِعُ موضعُ حالٍ، ألا تراكَ تقولُ:"أتيتُه فوجدتُه جالسًا"، فيكونُ"جالسًا"حالًا، ذاك لأنَّ"وجدتُ"في مثلِ هذا مِن الكلام لا تكونُ المتعديةَ إلى مفعولينِ، ولكنْ المتعديةَ إلى مفعولٍ واحدٍ كقولكَ:"وجدْتُ الضالَّة"إلاَّ أنه ينبغي أن تَعْلم أنَّ لتقديمهِ الخبرَ الذي هو"حاضراه"تأثيرًا في معنى الغِنى عن"الواوِ"، وأنه لو قالَ:"وجدتُه، الجودُ والكرَمُ حاضراهُ"لم يَحسُنْ حسْنَه الآنَ، وكان السببُ في حسْنه معَ التقديم، أنَّه يَقْرُبُ في المعنى مِنْ قولكَ:"وجدتُه حاضرُه الجودُ والكرمُ"أو"حاضرًا عندَه الجوُد والكرمُ".
جملة الحال، والفعل مضارع مثت غير منفي لا تكاد تجيء بالواو:
231 -وإن كانِت الجملةُ من فِعْلٍ وفاعلٍ، والفعلُ مضارعٌ مُثْبَتٌ غيرُ منفيِّ، لم يكَد يَجيء بالواوِ، بل تَرى الكلامَ على مَجيئها عاريةً منَ"الواو"، كقولك:"جاءني زيدٌ يَسْعى غلامُه بين يديه"، وكقوله:
1"أبو على الفارسي"، وكتابه"الإغفال".
2 الشعر لسلامة بن جندل في ديوانه، وفي الآصمعيات رقم: 42، واللسان"جنن"، وروايته كما هنا، وأجود الروايتين ما في الديوان والأصمعيات:"سر بالله لم يحرق"، أي لم تخرقه الرماح والسهام. و"جنان الليل"، ما يسترك من ظلمته.
3 ينسب للأخطل، وليس في ديوانه.