ولم يضرب عمر بن عبد العزيز أحدا من الرعية سوطا قط طيلة خلافته ، بينما كان من قبله من حكام بني مروان يسفكون الدماء ويستحلون المحرمات لأتفه الأسباب .. كان يعلم أن الله تعالي يغضب أشد الغضب علي الحاكم الخائن لأمته ، كما كان يعلم سوء مصير أى طاغية يستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .. ولعل آخر خطبة ألقاها تكشف جوهر هذا الحاكم الراشد ، والكثير من المبادئ الإسلامية العظيمة التي أفني شبابه وماله وعمره كله من أجل تطبيقها ونشرها بين الناس .. صعد رضي الله عنه إلي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم الآخر وخافه ، وباع فانيا بباق ، ونافدا بما لا نفاد له ، وقليلا بكثير ، وخوفا بأمان ."
ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيكون ما بعدكم للآخرين ، حتى تردون إلى خير الوارثين ، فاتقوا الله قبل القضاء ، وراقبوه قبل نزول الموت بكم ... أما إني أقول هذا ، ولا أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي وأستغفر الله"... ثم بكى رضي الله عنه حتى ابتلت لحيته وبكى الناس معه ... إنه عمر ذلك الخليفة الذي لم يجامع قط ولم يحتلم وهو خليفة رغم أنه كان في عنفوان الشباب ، وكانت له زوجة من أجمل نساء عصرها ، وجوار فاتنات ناعمات من كل جنس ولون .و عندما أصابه مرض الموت جاءوا إليه ببنيه وكانوا بضعة عشر ذكرا وقالوا له: أما تركت لهم شيئا من المال ؟ رد رضي الله عنه بيقين الأولياء:"والله لا أعطيهم حق أحد ، وهم بين رجلين ، إما صالح فالله يتولى الصالحين ، وإما غير ذلك فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله"...."