قال عدى: إن الرسول صلي الله عليه وسلم كان يسمع الشعر ويجزى به. فراح عمر يستجوبه حتى اطمأن إلي أن نبي الهدي كان يسمع الشعر النبيل الهادف ، فأذن لجرير وحده بالدخول لأنه كان الشاعر الأقل فحشا وانحرافا بين الموجودين. قال له عمر: ويحك يا جرير اتق الله فيما تقول ، فأنشده جرير قصيدة طويلة يمدح فيها الرسول صلي الله عليه وسلم وعمر بن عبد العزيز . وأبى عمر أن يعطيه من بيت المال ما ليس له بحق، وأعطاه مائة درهم فقط من ماله الخاص كانت قد بقيت معه .
وخرج جرير إلي زملائه الشعراء فقال لهم: جئتكم بما يفجعكم ، أمير المؤمنين يعطي الفقراء ويمنع الشعراء ، وأنا عنه راض.
كانت خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سنتين وبضعة أشهر كما أسلفنا ..و رغم قصر المدة استطاع الفتي الأموي أن يجدد شباب الإسلام وأن يعيد إلي الأذهان كل خصائص العهد الأول الذي طبّق فيه منهج الله كاملا غير منقوص .. ولم يتحقق له ذلك بسهولة ويسر ، إنما كان الثمن باهظا ، وكانت التضحيات بلا حدود .
كان يعيش وأهله في أدنى درجات الكفاف ، وأبى أن تدخل جوفه لقمة من بيت مال المسلمين ، رغم أنه أحدهم ، ويحق له أن يحصل مثلهم علي نصيب منه .. اشترى له غلامه قطعة من اللحم وشواها له في المطبخ العام الذي يعد فيه طعام الفقراء والمساكين ، فلما علم عمر بذلك أبى أن يأكلها ووهبها لغلامه لمجرد أنها طبخت بوقود من بيت المال !! وسخّن له الغلام بعض الماء في المطبخ العام ، فأمر بشراء حطب بدرهم من ماله الخاص ليوضع في بيت المال عوضا عن تسخين الماء له في المطبخ !! وكان لا يكتب ليلا علي ضوء مصباح بيت المال إلا لمصالح المسلمين ، أما حاجاته الخاصة فكان يقضيها علي ضوء مصباح أخر يملكه .. وكان شديد التواضع يخدم نفسه بنفسه ، ولا يرهق الخدم أو الرعية بما لا يطيقون .