فإن فرغوا منهم فليعطوا المدينين والغارمين، وأبناء السبيل وغيرهم من أصحاب الحقوق. ولم ينس عمر رضي الله عنه طلبة العلم، فأوصى بأن يفرض الولاة نصيبا وافرا من المال لكل من ينقطع متفرغا للدراسة والتحصيل، في مختلف العلوم الدينية والدنيوية النافعة ، لأن هؤلاء هم أمل الأمة وشعلة حضارتها الموعودة ، وبغيرهم يسود الظلم والظلام والجهل في ديار المسلمين .
وكان عمر رضي الله عنه يرسل كل يوم من ينادي: أين اليتامى ؟ أين أبناء السبيل ؟ أين طلبة العلم ؟ أين ... أين ؟ فيعطي كلا منهم حاجته من المال ليجنبه مذلة الفقر و ليتعفف عن سؤال الناس . لكنه مع كل هذا السخاء لأصحاب الحق في بيت مال المسلمين ، كان شديد الصرامة مع غيرهم من الحاشية والأقارب والمنافقين والمدّاحين . كان للخليفة ستمائة شرطي وحارس خاص له، فقال لهم عمر: إن لي عنكم بالقدر حاجزا والأجل حارسا، فمن شاء منكم فليلحق بأهله ، ومن بقي فليس له سوي عشرة دنانير. وكتب إليه أحد عماله يخبره أن المدينة التي يحكمها قد خربت ويطلب منه دعما ماليا ليعيد بناء ما تهدم ، ويرمم منها ما تصدع. فرد عليه عمر: حصّن مدينتك بالعدل ، وطهّر طرقاتها من الظلم فإن هذا وحده هو ترميمها . وكتب إليه وال آخر يشكو من كثرة من يعتنقون الإسلام لأن هذا يعنى توقفهم عن دفع الجزية ،فرد عليه الخليفة العظيم: إن الله تعالى بعث النبي محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا. وجاء إليه الشعراء عندما تولي الخلافة ، فمكثوا أياما واقفين علي بابه لا يؤذن لهم، حتى جاء عدى بن أرطأة فناشده"جرير"الشاعر المشهور أن يستأذن لهم الخليفة ، فقال عدى لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ، الشعراء ببابك ، سهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة ،يقصد أن يلفت انتباهه إلي ضرورة كسب ود الشعراء بالعطايا والهبات ، كما كان غيره يفعل فقال له عمر: ويحك يا عدى مالي والشعراء ؟