جاء عمر إلي بيته .. أسرعت إليه زوجته الحسناء فاطمة بنت عبد الملك لتهنئه بالخلافة .. ذهلت عندما رأت ما يكسو وجهه من شحوب وهم .. تركته داخل المسجد الصغير الذي أقامه في ركن من بيته حيث جلس واضعا يده علي خده و تساقطت الدموع من عينيه .. روعت فاطمة. أقبلت عليه تسأله في فزع: مالك ؟ أجاب عمر"يا فاطمة .. إني قد وليت من أمر هذه الأمة ما تعلمين ، ففكرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، واليتيم المكسور ، والأرملة الوحيدة ، والمظلوم المقهور ، والغريب والأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد ، فعلمت إن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد - صلي الله عليه وسلم - فخشيت أن لا تثبت لي حجة عند مخاصمته ، فرحمت نفسي فبكيت .. راحت فاطمة تواسيه ، وتهون عليه .. تطلع إليها .. إنها شريكة عمره ، وأم ولده ، وابنة عمه ، لكن عمر رضي الله عنه كان يفكر في أمر ، طالما نغص عليه صفاء روحه ، وظلل حبه لزوجته فاطمة بسحابة من الاستياء والضيق . لقد آثرها أبوها عبد الملك بن مروان بجواهر جاءت إليه من غنائم الفتوحات الكثيرة في عهده. وقد كان عمر يكره أن يراها علي جسد زوجته وهو يعلم جيدا أن مكانها هناك في بيت مال المسلمين .. وقد بدأ خلافته برد الحقوق إلي أهلها حتى خاتم صغير أعطاه له الوليد يوما قام برده إلى بيت المال، وعليه الآن أن يمضي حتى نهاية الشوط ، ولا ينسي أهله والمقربين إليه .. قال لفاطمة: أي زوجتي الحبيبة . عليك الآن أن تختاري .. إما أن تردّي هذه الحلي إلي بيت المال ، أو أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهذه الحلي في بيت واحد .. دمعت عينا فاطمة . لقد أحبت عمر منذ باكورة الصبا لتقواه ومكارم أخلاقه وعلمه، ولم يدر في خلدها يوما أن تفكر في المفاضلة بين الحياة معه وبين كل أموال الدنيا ونعيمها"