قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع""متفق عليه.
ونحن كسلفنا نشهد، ونشاهد مصداق الشهادة، وسنشهد يوم الاستشهاد على رؤوس الأشهاد، ومن ذا الشهادة على اللاقرآنيين والمتصوفة والرافضة ونحوهم.
ومن قبيل الثاني - شهادة الكافر المكابر: عن سلمان - رضي الله تعالى عنه- قال: قال المشركون إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة. قال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه ويستقبل القبلة. وقال لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار""صحيح سنن النسائي" (1/ 44) برقم (49) "
سبحان الله! يقرّ الكافر، ويكفر المؤمن؟"... وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا" (النساء: 79)
يا ذا العقل! إن الرسول - السفير- في عرف الناس - في واقع وغابر أيامنا - يبلغ الرسالة والمعنى، ويجب عن الاستفسارات، وقد يخوّل باتخاذ بعض القرارات، ويعتبر قوله كمتحدث عن الأصل، ويصدّق ويؤتمن ويوقّر لذا، ويحرمون ويجرمون مسّه - حسيا وكذا معنويا! فكيف؟
ثانيًا: البيان من تتمة البيان، وقد كان: لقد أنزل الله تعالى كتابه الكريم بلسان عربي مبين على نبيه الأمين- صلى الله عليه وإخوانه وآله وسلم- في أمة عربية، وأمره بالبيان، قال تعالى:"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون"سورة"النحل"الآية (44)
ولقد كان جبريل - عليه السلام- ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن وبالسُّنَّة المفسرة له، كما قال تعالى:"وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم"سورة"النساء"الآية (113)
قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى:"فأما ما لا بد للعباد من علم تأويله فقد بيّنه لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ببيان الله ذلك له"
قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى:"ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حتى فسّر القرآن كله، وهذا التفسير إما بقوله أو بفعله أو بحكمه".
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى:"يجب أن يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن لأصحابه معاني القران كما بين لهم ألفاظه! فقوله - عز وجل: [لتبين للناس ما نزل إليهم] يتناول هذا وهذا" [1]
(1) ومما يلاحظ هنا أن الآية التي استدل بها شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى- في تقريره لبيان النبي - صلى الله عليه وسلم {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] قد خصص عمومها بالآية التي في نفس السورة، وهي قول الله جل وعلا: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل:64] ؛ فالآية الأخيرة تدل على أنه يبين ما اختلفوا فيه، وأما ما لم يقع فيه اختلاف فلا حاجة إلى بيانه.
وفي التدليل كذلك على أن المفسر هو ما استشكل:
ما ثبت في"صحيح البخاري"من حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال:"لما نزل قوله تعالى:"وكلوا وشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"عمت إلى عقالين أحدهما أسود والأخر أبيض وجعلتهما تحت وسادتي ... إلى أن: قال فنطلقت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فأخبرته فقال: (إن وسادك إذا لعريض إنما هما بياض النهار وسواد الليل) ."
ومن ذلك كذلك: قول الحبيبة المحبوبة عائشة - رضي الله عنها- في قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا"فاستشكلت عائشة رضي الله عنها الحساب كيف يحاسب المؤمن؟ والمحاسبة معناها التدقيق فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا عائشة إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب"."
ومن بعدهم: التابعون، كمجاهد بن جبر- رحمه الله تعالى- فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحق: حدثنا أبان بن صالح؛ عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منها وأسأله عنها.
ولهذا كان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى- يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك!
وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري - رحمهم الله تعالى- في مدارس. انظر تفاصيلها مقدمة"تفسير القرآن العظيم"للحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى.
وصفوة القول: مما سبق أن القرآن المجيد بين واضح، وأن الرسول - صلى الله تعالى عليه وإخوانه وآله وسلم- قد بيّن مشكله، وقيد مطلقه، وخصص عمومه، مع الاستقلال بأحكام، خرج هذا مخرج التمام والكمال، وأشهد على البلاغ فشهد، في دلالة على كمال موجب الاتباع وتمام يوجب الشكران والحمد لله الرحيم الرحمن