سبق أن ذكرنا أن قصر الخطبة وإطالة الصلاة علامة على فقه الخطيب وعلمه. وهذه الصفة برز فيها السابقون الأولون. ولكن مع تباعد الزمان عن صدر الإسلام، قَل العلم الشرعي، وكثر الجهل، وأُعجب كل ذي رأي برأيه. مصداق قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهَرْج، والهرج القتل» [1] .
فمن تأمل خُطب الجمعة في حاضرنا، يرى كثيرًا من الخطباء قد نحى منحًا يخالف السنة، إما لقلة العلم والفقه بأحكام الخطبة، أو اجتهد اجتهادًا خالف به النصوص الصحيحة الصريحة بإطالة الصلاة وقصر الخطبة. مما صير الخطبة أضعاف وقت الصلاة. مع الإمكان أن يأتي بها بأوجز عبارة، وأجمع معنى. ومثل هذا ورد ذمه بصحيح الأخبار، إذ هو علامة من علامات تقارب الزمان.
فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: (إنكم في زمان الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وعلماؤه كثير، وخطباؤه قليل، وسيأتي على الناس زمان الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، خطباؤه كثير، وعلماؤه قليل..) [2] .
ورواه الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي. يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة. يُبدُّون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، يحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده. كثير من يسأل، قليل من يعطي.
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) رواه الطبراني ورواه البخاري في الأدب المفرد قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح والحديث حسنه الألباني.