فكم نحن بحاجة إلى الخطيب العالم المتبصر، والفقيه المتأمل. لأن نفعه متعدي، وأثره نافذ باق، يخاطب الجموع، فيعكس حقيقة سماحة التشريع الرباني، وشفقته. فكن خير داع في خير أمة. ومجانبًا لكل ما قد يُصدع جدار الأمة.
فالله أسأل أن يهدينا إلى الصواب ويجنبنا الخطأ والزلل، إنه أهل الهداية والتوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل في
حكم الكلام حال استماع خطبة الجمعة
مع بيان رفع اليدين حال دعاء الخطيب
وبيان بعض آداب الخطبة
يتفرع عن هذا أمور منها:
1-وجوب الإنصات لمن حضر الجمعة من حين بدء الخطيب خطبته إلى أن ينتهي منها فلا يجوز لأحد التحدث خلال الخطبة. لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» [1] .
وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد. وحكى ابن عبد البر التحريم من غير خلاف [2] .
2-لا يحرم الكلام من الخطيب ولا من المأموم معه حال الخطبة إذا كان لمصلحة؛ لأنه لا يشتغل عن سماع الخطبة كما هو ثابت بالسنة المطهرة [3] .
3-يجوز الكلام لمستمع الخطبة حال تحذيره ضريرًا أو غافلًا من الوقوع في بئر أو حفرة، أو خاف عليه نارًا أو نحو ذلك. بل يجب الإتيان به.
كما يجوز قطع الصلاة في هذه الحال لإنقاذ معصوم الدم [4] .
4-أيضًا يجوز الكلام عند جلوس الخطيب بين خطبتي الجمعة لأنه ليس بخاطب. قال المجد رحمه الله (هذا عندي أصح وأقيس) ..
(1) متفق عليه.
(2) انظر فيض القدير (2/2822) والإجماع لابن عبد البر 93 والمحرر (1/152) .
(3) انظر المغني (2/321) وحاشية ابن قاسم (2/489) .
(4) معصوم الدم: هو من لا يجوز قتله من البشر. إذ ليس محاربًا للمسلمين ولم يأت بما يوجب هدر دمه.