لأن المقصود من الخطابة تحريك القلوب، وتشويقها، وقبضها، وبسطها. في الحديث «إن من البيان لسحرا» . ومع هذا فإنه ينبغي للخطيب أن يقصد اللفظ الذي يفهمه السامعون فهما جليًا خاليًا من كل غموض. فممن اشتهر في هذا الفن ابن الجوزي الحافظ والمفسر والواعظ المسدد فقيل فيه: (وله في الوعظ العبارات الرائقة، والإشارات الفائقة، والمعاني الدقيقة، والاستعارة الرشيقة. وكان من أحسن الناس كلامًا، وأتمهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودهم بيانًا) [1] فكم رَقَّق من القلوب، وأسال من الدموع بأسلوبه المؤثر فاهتدى لذلك الكثير، وتاب على يديه الجمع الغفير.
أما الإفراط في هذا الفن، والمبالغة في تتبع غرائب الألفاظ. فإنه يكره لأنه تصنع مذموم، وتكلف ممقوت، وتقعر ممجوج، ولأنه إضاعة لمعنى الخطبة في سبيل البراعة في الأسلوب، فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا [2] .
والمراد بالتنطع المبالغة في الأمور تعمقًا واستقصاءً.
قال الإمام الغزالي [3] :(والواعظ يجد في وعظه وتأثر قلوب الناس به، وتلاحق بكائهم وزعقاتهم، وإقبالهم عليه، لذة لا توازيها لذة.
فإذا غلب ذلك على قلبه، مال طبعه إلى كلام مزخرف يروج عند العوام وإن كان باطلًا.
ويَفِر عن كل كلام يستثقله العوام؛ وإن كان حقًا. ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام، ويعظم منزلته في قلوبهم، فلا يسمع حديثًا أو حكمة إلا ويكون فرحه به من حيث أنه يصلح لأن يَذْكُره على رأس المنبر).
فتدبر هذه المعاني، واقصد الحق من غير تكلف أو تنطع. فإن الزيادة في زخرفة القول تورث لدى السامع الاستثقال، وانصراف البال. والله المستعان.
هديه - صلى الله عليه وسلم -
في خطبة الجمعة
(1) طبقات الحنابلة (3/411) .
(2) رواه مسلم.
(3) الإحياء (10/162) .