فجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس على ثلاثة أقسام:
منهم: من يستطيع أن يزيل المنكر بيده وهو صاحب السلطة، أي: ولي الأمر، أو من وُكِل إليه الأمر، من: الهيئات، والأمراء، والقادة .
والقسم الثاني: العالِم الذي لا سلطة له؛ فينكر بالبيان والنصيحة، بالحكمة والموعظة الحسنة، وإبلاغ ذوي السلطة بالطريقة الحكيمة .
والقسم الثالث: من لا عِلم عند ولا سلطة؛ فإنه ينكر بقلبه، فيبغضه، ويبغض أهله، ويعتزلهم .
س 19: انتشر اليوم بين الشباب: أنه يلزم الموازنة في النقد، فيقولون: إذا انتقدت فلانًا من الناس - في بدعته -، وبيَّنت أخطاءه؛ يلزمك أن تذكر محاسنه، وهذا من باب الإنصاف والموازنة. فهل هذا المنهج في النقد صحيح ؟ وهل يلزمني ذكر المحاسن في حالة النقد ؟ . جـ / هذه المسألة تقدم الجواب عنها، لكن إذا كان المنتَقَد من أهل السنة والجماعة، وأخطاؤه في الأمور التي لا تخِلّ بالعقيدة، فنعم، هذا تُذكر ميزاته وحسناته، وتُغمر زلاته في نصرته للسنة .
أما إذا كان المنتَقَد من أهل الضلال، ومن أهل الانحراف، ومن أهل المبادئ الهدّامة أو المشبوهة؛ فهذا لا يجوز لنا أن نذكر حسناته - إن كان له حسنات -؛ لأننا إذا ذكرناها فإن هذا يغرر بالناس؛ فيحسنون الظن بهذا الضال، أو هذا المبتدع، أو هذا الخرافي، أو ذاك الحزبي؛ فيقبلون أفكار هذا الضال، أو هذا المبتدع، أو ذاك المتحزب .
والله - جل وعلا - رَدَّ على الكفرة، والمجرمين، والمنافقين، ولم يذكر شيئًا من حسناتهم (1)
(1) ... لا يخْلُ أحدٌ من الحسنات حتى اليهود والنصارى عندهم حسنات؛ فعلى قاعدة أهل الموازنة يلزم ذكر حسنات الكفار إذا ذكرناهم، وهذا لا يقول به عاقل فضلًا عن طالب علم؛ فتأمل - وفق الله الجميع - .
... فمنهج السلف في النقد عدم ذكر الحسنات، وإن ذكروا الحسنات فمن باب عدم الاغترار بها، وليس من باب قول القائل، ينبغي أن لا ننسى جهوده وأعماله .
... وهذا مثال من أقوى الأمثلة - وفيه الهدى والنور لمن تدبره:
... الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث الخوارج قال: (( يخرج من ضِئضئ هذا قومٌ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان؛ لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) )البخاري: ( 3166 ) .
... وفي رواية أخرى: (( يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم ) )البخاري: ( 3414 ) ،
وفي رواية: (( فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ) )البخاري: ( 3415 ) .
... أقول: والله الذي لا إله غيره، ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الصفات لهؤلاء القوم بغية
= ... الثناء عليهم أو ليغرر بهم، وإنما ليحذر الناس منهم لئلا يغتروا بأعمالهم الصالحة في ظاهرها .
... وقد فهم السلف هذا المعنى، وطبَّقوه في حياتهم، وأصبح منهجًا يعتقدونه .
... فهذا الإمام أحمد - رحمه الله - يُسقِط الكرابيسي عندما قال باللفظ .
... روى الإمام عبدالله - رحمه الله - في كتابه"السنة": ( 1/165 ) فقال: (( سمعت أبي يقول:"من قال لفظي بالقرآن مخلوق هذا كلام سوء رديء، وهو كلام الجهمية"، قلت له: إن حسينًا الكرابيسي يقول هذا؛ فقال:"كذب، هتكه الله، الخبيث") ).
... وقال الإمام أحمد - رحمه الله - عن الحارث المحاسبي أشد من ذلك. فقد أخبر عنه علي بن أبي خالد، قال: قلت لأحمد: إن الشيخ - لشيخ حضر معنا - هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حارث القصير - يعني: حارث المحاسبي -، وكنتَ رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي:"لا تجالسه، ولا تكلمه"، فلم أكلمه حتى الساعة، وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه ؟ .
... فرأيتُ أحمد قد احمرّ لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط .
... ثم جعل ينتفض ويقول:"ذاك ؟! فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من خَبَرَه وعرفه، أُوّيه، أُوّيه، أُوّيه. ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه . ذاك جالسه المغازلي، ويعقوب، وفلان؛ فأخرجهم إلى رأي جَهْم، هلكوا بسببه".
... فقال له الشيخ: يا أبا عبدالله، يروي الحديث، ساكن خاشع، من قصته، ومن قصته؟ . فغضب أبو عبدالله، وجعل يقول:"لا يغرّك خشوعه ولينه"، ويقول:"لا تغترّ بتنكيس رأسه؛ فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره، لا تكلمه، ولا كرامة له، كل من حدّث بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان مبتدعًا تجلس إليه؟ لا، ولا كرامة، ولا نُعمى عين"."طبقات الحنابلة": ( 1/233 ) .
... قلت: فأين الإنصاف - المزعوم ! - من الإمام أحمد - رحمه الله-؛ لم يذكر للكرابيسي ولا المحاسبي حتى ولا حسنة واحدة ؟، مع أن الكرابيسي من بحور العلم، كما جاء في ترجمته .
... وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في حاشية رقم: ( 22 ) ، و ( 23 ) .
... انظر: تاريخ بغداد: ( 8/64 ) ، السِّير: ( 12/79 ) . ... =
= ... رحم الله الإمام أحمد، لو كان في زماننا هذا لمّا سَلِم ولرُمِي بالتشدد والعمالة، والعلمنة، وغير ذلك من الألفاظ التي يطلقها الحزبيون لمّا أعيتهم الحجج؛ لأنه ما داهن ولا جامل أهل البدع والأهواء .
... وقال رافع بن أشرس -رحمه الله-: (( من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تُذكر محاسنه ) )شرح علل الترمذي: ( 1/353 ) .