فالنقد لم يعد بوسعه التعاون مع هذه المغامرة التجارية، أو التظاهر بتجاهلها لأن ممارسة النقد لا تعني البتة إضفاء مسحة من الشرعية على الوضع الحالي أو الالتحاق بركب طبقة كهنوتية من البطاركة والميتافيزيقيين الدوغماتيين. إن كل مقالة في هذا الكتاب تؤكد على الترابط بين النصوص وبين الوقائع الوجودية للحياة البشرية والسياسة والمجتمعات والأحداث. فالوقائع المتعلقة بالقوة والسلطة -والمتعلقة أيضًا بضروب المقاومة التي يبديها الرجال والنساء والحركات الاجتماعية والسلطات والمعتقدات التقليدية- هي الوقائع التي تجعل من النصوص أمرًا ممكنًا، وهي التي تطرحها لقراء تلك النصوص، وهي التي تستقطب اهتمام النقاد. ولذلك فإنني أقترح أن تكون هذه الوقائع مثار اهتمام النقد والوعي النقدي.
وعند هذا الحد صار من الواضح ولا بد أن هذا النوع من النقد لا يمكن ممارسته إلا خلف وخارج إطار الإجماع المتحكم بهذا الميدان اليوم في تلك الأشكال الأربعة المقبولة التي جئت على ذكرها آنفًا. ومع ذلك فلئن كانت هذه المهمة هي مهمة النقد في الزمن الحالي، ألا وهي الوقوف بين الثقافة السائدة وبين الأشكال التجميعية للمنظومات النقدية، فهنالك شيء من العزاء إن نحن تذكرنا أن هذا المآل كان في الوقت نفسه مآل الوعي النقدي في الماضي القريب
ما من قارئ قرأ كتاب"المحاكاة" (Mimesis) لإرخ أورباخ، وهو واحد من أهم الكتب وأكثرها إثارة للإعجاب، وكتاب من أنفس الكتب التي ظهرت على وجه الأرض عن النقد الأدبي، وإلا ودغدغت مشاعره الظروف التي أحاطت بالكتابة الفعلية لهذا الكتاب.
فلقد لمح أورباخ عرضًا تقريبًا إلى هذه الظروف في الأسطر الأخيرة من الخاتمة التي تمثل شرحًا موجزًا جدًا لعلم المنهج (ميثودولوجيا) عما صار في خاتمة المطاف عملًا بارزًا ذا ألمعية أدبية.