إن النظرية الأدبية، نظرية اليسار أو اليمين سواء بسواء، قد أدارت ظهرها لكل هذه الأشياء، وهذا الموقف يمكن اعتباره، كما أرى، انتصارًا لأخلاق الاحترافية، ولكن ليس من المصادفة في شيء أن يقترن بروز فلسفة أضيق مما ينبغي، أي فلسفة النصية البحتة وعدم التدخل النقدي، مع سطوع نجم الريغانية [1] ، أو بعبارة أخرى، مع حرب باردة جديدة وتفاقم التعسكر ونفقات الدفاع، والانجراف الهائل باتجاه اليمين في أمور تمس الاقتصاد والخدمات الاجتماعية والأيدي العاملة المنظمة (4) ، فالنقد المعاصر، في عزوفه عن الدنيا بقضها وقضيضها كرمى لنص تكتنفه الشكوك والمغالطات إلى حد لا يتصوره العقل، تخلى عن جمهوره، عن أهالي المجتمع الحديث الذين تركوا تحت رحمة قوى السوق"الحرة"والشركات المتعددة الجنسيات ومضاربات الشهوات الاستهلاكية. وها نحن الآن نشهد ترعرع رطانة طنانة كي تحجب، بتعقيداتها المرعبة، الوقائع الاجتماعية وكي تشجع، ويا للغرابة، دراسة"أنماط التمييز"بشكل بعيد جدًا عن الحياة اليومية في مرحلة انحسار القوة الأمريكية.
(1) نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان- المترجم.