وهكذا صارت النصية بمثابة النقيض الحقيقي لما يمكن دعوته بالتاريخ بعد تنحيته جانبًا والحلول محله. فالرأي الذي يعتبر أن النصية صار لها وجود لرأي صائب، بيد أنها وبالطريقة نفسها لم تبرز في أي مكان محدد أو في أي زمان معين. إنها استنبات، ولكن لا بفعل أي إنسان على الإطلاق ولا في أي زمان بتاتًا، وإن من الممكن قراءتها وتأويلها، غير أن المفهوم روتينيًا أن القراءة والتأويل يحدثان على نحو مغلوط، وهكذا فإن من الممكن تمديد لائحة الأمثلة إلى ما لا نهاية، ولكن بيت القصيد يبقى على ما هو عليه. فالنظرية الأدبية، بالشكل الذي تجري فيه ممارستها اليوم في الأكاديمية الأمريكية، عزلت النصية في أغلب الأحوال عن الظروف والأحداث والحواس الجسدية التي جعلت منها شيئًا ممكنًا، وأحالتها إلى شيء واضح جراء اعتبارها نتيجة للعمل البشري.
فحتى لو قبلنا (كما أقبل أساسًا أنا) الأدلة التي طرحها هيدن وايت- ومنها أنه ما من سبيل قط لتجاوز النصوص ابتغاء وعي التاريخ"الحقيقي"بشكل مباشر- فإن من الممكن أيضًا أن نقول أن مثل هذا الإدعاء يجب ألا ينسخ الاهتمام بتلك الأحداث والظروف التي نجمت عن النصوص نفسها والتي عبرت عنها النصوص. وإن تلك الأحداث والظروف ما هي إلا نصية أيضًا (فكل روايات وحكايات كونراد تقريبًا تطرح لنا وضعًا -من مثل زمرة من الأصدقاء ممن يجلسون على متن سفينة ويستمعون إلى حكاية ما- يفضي إلى السرد الذي يشكل النص) ، فضلًا عن أن الكثير مما يدور في النصوص يلمح إلى النصوص في الوقت نفسه، أي يتقرب بنفسه منها على نحو مباشر. فموقفي هو القول بأن النصوص دنيوية، وهي أحداث إلى حد ما، وهي فوق كل هذا وذاك قسط من العالم الاجتماعي والحياة البشرية، وقسط بالتأكيد من اللحظات التاريخية التي احتلت مكانها فيها وفسرتها حتى حين يبدو عليها التنكر لذلك كله.