فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 581

وإن الشيء الذي ينجلي من تلك النادرة هو الفصل المستحب بين البيروقراطي الرفيع المقام وبين قارئ الروايات ذوات القيمة المشكوك بها والمكانة المحددة.

وخلال أواخر الستينات (1960) طرحت نفسها النظرية الأدبية بمزاعم جديدة. فالجذور الفكرية للنظرية الأدبية في أوربا كانت طافحة بالتمرد، وهذا عين الصواب على ما أظن.

إن الجامعة التقليدية وهيمنة الحتمية والوضعية وتجسيد الإيديولوجيا البورجوازية"للمنزع الإنساني"والحواجز الصارمة بين الاختصاصات الأكاديمية: كلها جعلت النظرية الأدبية تطرح نفسها على أنها ردود أفعال عنيفة على كل هذه الأمور التي عملت على ترابط الأسلاف النافذين للمنظّر الأدبي الحالي من أمثال سوسور ولوكاش وباتيل وليفي شتراوس وفرويد ونيتشه وماركس. لقد طرحت نفسها تلك النظرية بأنها مركب يعتزم الإحاطة بكل الإقطاعات الصغيرة في قلب عالم الإنتاج الفكري، وكان الأمل المنشود البيّن أن من الممكن، بالنتيجة، توحيد كل ميادين النشاط البشري، فضلًا عن المعاش معها كوحدة.

ولكن ثمة شيء طرأ، ولربما بشكل لا مناص منه. فالنظرية الأدبية الأمريكية انكفأت من حركة تدخلية جاسرة عبر تخوم التخصص في أواخر السبعينات ودخلت في تيه"النصيّة"وهي تجر معها أحدث رواد النصية الثورية الأوربية كديريدا وفوكو اللذين كانا يدأبان، هما نفساهما، بمنتهى الأسف، على تشجيع تقديس تلك النظرية للأشياء وصقلها عبر الأطلسي. وهكذا فليس من المبالغة في شيء أن نقول بأن النظرية الأدبية الأمريكية، أو حتى الأوربية، صارت تتقبل الآن مبدأ عدم التدخل وبلا أي تحفظ، وبأن طريقتها الخاصة في اقتناص موضوعها (وفق صيغة آلثوسر) لا تعني أبدًا اقتناص أي شيء دنيوي أو ظرفي أو ملوث اجتماعيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت