فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 581

إن المدى الذي يصل إليه الطلاق بين مؤسسة الميدان الثقافي وخبرته وبين صلاتهما الحقيقية بمؤسسة السلطة قد تجلى لي على أوضح ما يكون من خلال حديث مع صديق جامعي قديم كان يعمل في وزارة الدفاع لفترة من الزمن خلال حرب فيتنام. فوفتها كان القصف على أشده، وكنت أحاول بكل سذاجة أن أفهم نوعية ذلك الشخص الذي كان بمقدوره أن يأمر يوميًا طائرات ب- 52 بإلقاء القنابل على بلد آسيوي بعيد بحجة المصلحة الأمريكية في الدفاع عن الحرية وإيقاف المد الشيوعي."يا صاحبي"، قال صديقي،"إن الوزير كائن بشري عديد المكونات: فهو لا ينطبق على الصورة التي ربما حملتها في ذهنك عن السفاح الإمبريالي المتوحش. إذ في المرة الأخيرة التي كنت فيها بمكتبه شاهدت على طاولته رواية (الرباعية الاسكندرانية) لدوريل". ومن ثم توقف عن الحديث بكل مكر وكأنه كان يريد أن يترك لوجود تلك الرواية على الطاولة أن يعود وحده علي بتأثيره البغيض. ولكن المغزى الأدهى لحكاية صديقي كان مفاده أنه ما من إنسان قرأ رواية ما، واستعذبها على أرجح الظن، كان بوسعه أن يكون ذلك السفاح المتوحش الذي قد يتصوره المرء (2) . وبعد مضي عدة سنوات تخطر على بالي هذه النادرة التي تتقاذفها كلها الشكوك (وأنا لم أعد أتذكر رد فعلي على ذلك الربط المبهم بين دوريل وبين إصدار الأوامر بالقصف في الستينات) وتقع علي وقع الصاعقة كونها الشيء النموذجي عما يحدث بالفعل على أرض الواقع: فالكتاب الإنسانيون والمفكرون يقبلون الفكرة التي مفادها أن بمقدورك أن تقرأ أحسن القصص وأن تقتل وتشوه البشر في آن واحد معًا لأن باب العالم الثقافي مفتوح على مصراعيه أمام ذلك النوع الخاص من التعمية، ولأن الأنواع الثقافية ليس من المفروض أن تتدخل في تلك الأمور التي لا تصادق المنظومة الاجتماعية على تدخلها بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت