فهذا الواقع كان هو الحالة التي سادت تاريخيًا، ودائمًا تقريبًا، ضمن ما يمكن دعوته بالعالم المتقوقع الذي عاشته الجامعة التقليدية الغربية، والشرقية بكل تأكيد، بيد أننا نعيش الآن، على ما أظن، مرحلة من تاريخ العالم نشهد فيها لأول مرة أن علاقات التقرب التعويضية، التي يجري تأويلها خلال الفصل الدراسي الأكاديمي في الجامعة الغربية، تستبعد عمليًا من الأمور أكثر مما تضم. وإن ما أعنيه ببساطة هو أن كل ذلك الصرح المهيب الذي يؤوي المعرفة الدنيوية، والذي يقوم على كلاسيكيات الآداب الأوربية- ومعه ذلك التقيد الصارم بمنهج البحث الذي ينغرس في أذهان الطلاب في الجامعات الغربية من خلال الأشكال المألوفة لنا كلنا- لا يمثل، لأول مرة في التاريخ الحديث، إلا النزر اليسير من العلاقات والتفاعلات البشرية الحقيقية الجارية الآن على مسرح العالم، فأورباخ كان واحدًا من بين أواخر أكابر الممثلين لأولئك الناس الذي كانوا يعتقدون أن الثقافة الأوربية ما هي إلا محور التاريخ البشري، والمحور الذي لا يرقى الشك إلى أهميته وترابطه المنطقي. ولكن ثمة أسباب عديدة جدًا تعترض الآن سبيل الدفاع عن وجهة نظر أورباخ، وليس أقلها تقلص الإذعان والامتثال اللذين كانا مناطين بما كان يدعى بعالم حلف الناتو الذي طالت هيمنته على بقاع بعيدة عن أوربا كأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فثقافات جديدة ومجتمعات جديدة وملامح فتية لنظام اجتماعي وسياسي وجمالي تستوجب الآن الاهتمام من المفكر الإنساني، وبالإصرار الذي لم يعد بالإمكان تطاول تجاهله.