فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 581

إن الأنموذج المثلث الأجزاء الذي جئت على وصفه- علاوة على عمليتي القرابة والتقرب بالشكل الذي رسمتهما به- يمكن اعتباره مثلًا عن العبور من الطبيعة إلى الثقافة، فضلًا عن اعتباره شاهدًا عن الكيفية التي يتمكن فيها التقرب من أن يصبح بكل بساطة منظومة للفكر لا تقل هيمنة وصرامة عن الثقافة نفسها. فالشكل الذي أود أن أعرج للحديث عنه عند هذا المفصل هو آثار هذا الأنموذج بالشكل الذي عادت فيه بالضرر على دراسة الأدب في هذه الأيام، على الرغم من ابتعادنا الكبير عن باكورة سنوات قرننا هذا. إن بنية المعرفة الأدبية المستمدة من الأكاديمية مدموغة بدمغة هائلة من هذا الأنموذج المثلث الأجزاء الذي عملت على توضيحه هنا. ولكن بمقدار ما يتعلق الأمر بالفكر النقدي (وفق التصور الذي أحمله عما يجب أن يكون عليه) فليس بوسعنا أن نقول إلا أن تلك الدمغة قد حدثت بطرائق تحز في النفس. ولذلك هيا بنا الآن للانتقال إلى أمثلة ملموسة.

منذ زمن إليوت، ومن بعده ريتشاردز وليفيس، كان هنالك إجماع تقريبًا على التشبث بالرأي القائل أن واجب الدارسين الإنسانيين في ثقافتنا يكمن في تكريس أنفسهم لدراسة الروائع العظيمة في الأدب. ولئن تساءلنا عن السبب لقيل لنا حتى يصار إلى نقلها إلى طلاب ممن هم أصغر سنًا وممن سوف يصبحون، بفعل التقرب والتكوين، أعضاء ضمن جماعة الأفراد المثقفين. وهكذا فإننا نلاحظ أن الجامعة تضطلع، ورسميًا تقريبًا، بعبء تكريس الميثاق القائم فيما بين معيار الآثار الأدبية وزمرة من المعلمين الملقنين وبين مجموعة من المتقربين الشباب، الأمر الذي يجعل هذا كله يفضي، بأسلوب موثق اجتماعيًا، إلى ترويض وانضباط علاقة القرابة أمام عتو العملية التثقيفية كونها أسمى منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت