فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 581

إن صلات البنوة والتبني وفيرة في التاريخ الثقافي الحديث. فثمة أنموذج قوي جدًا ومثلث الأجزاء، مثلًا، يضرب بجذوره في مجموعة كبيرة جدًا من كتاب مؤخر القرن التاسع عشر ومقدم القرن العشرين، حيث ترد فيه صورة عن عجز الحافز عن التوالد- عجز المقدرة عن إنجاب الأطفال أو استيلادهم- مصورة بتلك الطريقة التي تمثله على أنه حالة عامة ابتلي بها المجتمع والثقافة على حد سواء، ناهيك عن بلوى رجال ونساء معينيين. إن"يوليسيس والأرض القفر"مثالان مشهوران على وجه التخصيص، بيد أن هنالك دليلًا مماثلًا أيضًا يوجد في"ممات في البندقية، أو في مآل كل بني البشر، أو في وجود الغامض، أو في البحث عن الزمن المفقود، أو في أشعار مالارمي وهو بكينز"، علاوة على وجوده في معظم كتابات أوسكار وايلد وفي رواية"نوسترومو". وإذا أضفنا إلى هذه اللائحة السطوة الموثقة جدًا لنظرية التحليل النفسي لفرويد، التي يسلّم جدلًا أحد أبرز وأهم جوانبها بكمون النتيجة القاتلة في حمل الأطفال، لتكون لدينا انطباع واضح بقلة عدد القضايا الشائكة والعويصة عمومًا بمقدار ما ينطوي عليه ما كنا قد حسبناه على الأرجح بأنه مجرد تواصل طبيعي بين جيل وآخر. وحتى في عمل عظيم يعود فكريًا وسياسيًا إلى عالم مختلف من عوالم الكتابة الرصينة -ألا وهو كتاب لوكاش المعنون بـ"التاريخ والوعي الطبقي"- تنطرح فيه الأطروحة نفسها تمامًا ألا وهي مصاعب البنوة الطبيعية واستحالتها في خاتمة المطاف: وذلك لأن تصور التجسيد، كما يقول لوكاش، ما هو إلا تغرّب الرجال عمن ينجبون، وانسجامًا منه مع القساوة الصارمة والمطلقة لتصوره هذا فهو يعني بهذه المقولة أن كل نواتج العمل البشري، بما في ذلك الأطفال، تعيش حالة من البعزقة والعزلة المطلقة بعضها عن بعض، وبالتالي فهي مجمّدة ضمن فئة الأشياء الأنطولوجية وكأن المقصود بها أن تجعل حتى العلاقات الطبيعية شيئًا مستحيلًا عمليًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت