وهذه الحقيقة ما هي بالطبع إلا خيانة المتعلمين المأمورين "Trahison de clercs" ، إذ إن مساهمتهم غير اللائقة في الوصول بالمشاعر السياسية إلى حد الكمال هي الشيء الذي يشكل بمنتهى الأسف نفس جوهر خيانتهم الجماعية المعاصرة. وأما بالنسبة لفكر غرامشي، الأكثر تعقيدًا من سابقه، فإن مثقفين معينين مثل كروس جديرون بالدراسة (ولربما بالحسد) لأنهم جعلوا أفكارهم تبدو وكأنها تعابير عن إرادة جماعية.
وهذا كله يبين لنا، إذًا، وضع الوعي الفردي في صميم نقطة حساسة، علاوة على أن هذا الوعي في تلك النقطة الحساسة هو ما يحاول استكشافه هذا الكتاب وبالشكل الذي أدعوه فيه بالنقد. فالعقل الفردي يدوّن، من ناحية أولى، جماعية الكل أو البيئة أو الموقف الذي يجد نفسه فيه وهو على أتم إدراك بذلك. ومن ناحية ثانية، ونظرًا لهذا الإدراك بالتحديد- أي وضع الذات في موضع دنيوي، رد فعل حاس تجاه الثقافة المهيمنة- فإن الوعي الفردي ليس مجرد طفل للثقافة بكل بداهة وبساطة، ولكنه فاعل فيها اجتماعيًا وتاريخيًا. وبسبب تلك النظرة، التي تقدم الظرف والتمايز في المكان الذي لم يكن فيه من قبل سوى المجاراة والانتماء، هنالك مسافة، أو ذلك الشيء الذي يمكننا دعوته بالنقد فمعرفة التاريخ وإدراك أهمية الظرف الاجتماعي وقدرة تحليلية على الإتيان بالفروق: هي الأمور التي كلها تقض مضاجع السلطة شبه الدينية مخافة أن تجد لها مراحًا داخل الوطن وبين ظهرانيي الشعب، وأن تتعزز من قبل قوى معروفة وقيم مستحبة، وأن تتحصن ضد العالم الخارجي.