ومن المؤكد أن ما يقوله بيندا عن المثقفين (المسؤولين عن التصدي بطرق مقصورة على مهنة الثقافة وحدها) يتماشى تمامًا مع شخصية سقراط بالشكل الذي تبدو فيه في"محاورات أفلاطون"، أو مع معارضة فولتير للكنيسة، أو مع فكرة غرامشي، الأحدث عهدًا، عن المثقف الدستوري المتحالف مع طبقة صاعدة ضد هيمنة طبقة حاكمة. فحتى آرنولد يتحدث عن"الأغراب"في كتاب"الثقافة والفوضى"ويصفهم بأنهم أولئك"الأشخاص المنقادون أساسًا، لا بروحهم الطبقية، بل بروح عمومية رحيمة، وهي الروح التي يربطها مباشرة بثقافة مثالية ولا يربطها، على ما يبدو، بتلك الثقافة التي زاوج لاحقًا بينها وبين الدولة. وأما من الناحية الأخرى فإن بيندا مخطئ بالتأكيد حين يعزو الكثير جدًا من القوة الاجتماعية للمثقف المعزال الذي تأتيه القوة، وفقًا لما يقوله بيندا، من صوته المنفرد ومن معارضته للمشاعر الجماعية المنظمة. ولكن إذا سلمنا جدلًا أن المصير التاريخي لمشاعر جماعية من أمثال"بلدي مصيب أو مخطئ، ونحن بيض ولذلك ننتمي إلى عرق أسمى من عرق السود، وأن الثقافة الأوربية أو الإسلامية أو الهندوسية أسمى من كل الثقافات الأخرى"هو المسؤول عن تخشين الفرد وتوحيشه، قد يكون عندئذ من الصحيح أن الوعي الفردي المنعزل، المعارض للبيئة المحيطة والمتحالف مع الطبقات والحركات والقيم المناوئة، هو صوت معزول وخارج المكان الصحيح ولكنه حيز كبير جدًا من ذلك المكان وواقف بمنتهى الوعي ضد العقيدة السائدة لمناصرة مجموعة من القيم المعروفة جهارًا بأنها عمومية أو رحيمة، ومجموعة تذكي مقاومة محلية هامة ضد هيمنة ثقافة واحدة. وواقع الحال يدل أيضًا على أن المثقفين، وبموافقة كل من بيندا وغرامشي، مفيدون غاية الفائدة في تفعيل الهيمنة."