وما من سبب يدعو للشك في أن الثقافات كلها تتحرك بهذه الطريقة، وما من سبب يدعو للشك في أنها كلها عمومًا تميل إلى تحقيق الظفر من خلال تعزيز هيمنتها. ومن الجدير بالذكر أنها كلها تعزز هيمنتها بطرق شتى وبمنتهى الوضوح. وإنني لأعتقد أن صحيح القول يكمن في أن بعضها أكثر فاعلية عمليًا من الأخريات حين يتعلق الأمر ببعض الأنواع الخاصة بالأعمال البوليسية. بيد أن هذا الواقع من اختصاص علماء الأنتروبولوجيا المقارنة، وليس ميدانًا جديرًا بالمغامرة هنا للإتيان بتعميمات عريضة عليه. فمثار اهتمامي هو الإشارة إلى أن الثقافة إن كانت تمارس أنواع الضغط الذي جئت على ذكره، وإن كانت تخلق المناخ، لا بل والجماعة التي تتيح للناس الشعور بالانتماء، عندها إذًا يجب أن يكون صحيحًا أيضًا أن مقاومة الثقافة كانت موجودة على الدوام. وفي أغلب الأحيان تتخذ تلك المقاومة شكل العداء الصريح لأسباب دينية أو اجتماعية أو سياسية (وثمة مظهر واحد من مظاهر هذا العداء موصوف على نحو جيد بقلم إيريك هوبزبوم في كتابه"الثوار البدائيون") . ولقد جاء هذا العداء على الأغلب من أفراد أو مجموعات أعلنت عنهم الثقافة جهارًا أنهم من خارج إطارها أو أنهم من مستوى أدنى منها (والسلسلة هنا واسعة بالطبع، من كبش الفداء الشعائري وصولًا إلى النبي المعزال، ومن المنبوذ اجتماعيًا إلى الفنان الحاكم، ومن الطبقة العاملة إلى المفكر المتغرب) . وهنالك شيء كبير من الصدق في قناعة جوليان بيندا بأن المثقف أو المتعلم (clerc) ، كان بطريقة أو أخرى هو الذي يجسّد القيم والأفكار والفعاليات التي تتسامى وتعترض سبيل العبء الاجتماعي المفروض من قبل الدولة القومية وثقافتها الوطنية.