15)إن لمحة خاطفة على آخر فصل في الحكومة التمثيلية- ناهيك عن التطرق إلى المقطع الوارد في المجلد الثالث من مقالات وبحوث حيث يتحدث عن تغييب الحقوق بالنسبة للبرابرة- توضح بمنتهى الجلاء رأي ميل اذي قال فيه أن ما كان عليه أن يقوله عن هذا الأمر لا يمكن تطبيقه بالفعل على الهند، والسبب بالأساس أن رأي ثقافته بحضارة الهند هو أنها لم تكن وقتها قد بلغت بعد درجة التطور المطلوب.
إن تاريخ الفكر الغربي بأسره إبان القرن التاسع عشر مليء بأمثال هذه التخرصات والتمييزات بين ما هو مناسب لنا وما هو مناسب لهم، إذ إن الأُول مصنفون بأنهم في الداخل، في المكان الصحيح، مألوفون، منتمون، وباختصار فهم فوق، والمثاني مصنفون على أنهم في الخارج، ثنوى، شواذ، تبّع، وباختصار فهم تحت. فمن هذه التمييزات، التي حظيت بسطوتها من خلال الثقافة، ما كان بوسع أي امرئ أن يتفلت منها حتى ماركس- كما ستبين للتو قراءة مقالاته عن الهند والمشرق (16) . إن الاسم الوطني الثقافي الكبير للثقافة الأوربية على أنها المعيار الممتاز حمل معه زمرة مرعبة من التمييزات بين ما لنا وما لهم، بين الملائم وغير الملائم، وبين الأوربي وغير الأوربي، وبين الأعلى والأدنى: فهذه هي التمييزات التي يقع عليها المرء في أي مكان في موضوعات وأشباه موضوعات من أمثال علم اللغة والتاريخ ونظرية العرق والفلسفة والأنتروبولوجيا، لا بل وحتى البيولوجيا. ولكن السبب الرئيسي لمجيئي على ذكر هذه الأمور هنا يكمن في الإشارة إلى أنه في نقل ثقافة ما ودوامها هناك عملية متواصلة من التعزيز، من خلالها تضيف الثقافة السائدة إلى نفسها الامتيازات المقصورة عليها والمتأتية لها من جراء إحساسها بالهوية الوطنية، بقوتها كأداة بيد الدولة، أو حليف لها أو فرع منها، بصواب موقفها، بمظاهرها الخارجية وتوكيداتها لذاتها، والأهم من هذا كله إحساسها بمبرر قوتها كمنتصر على كافة الأشياء التي لاتمت لها بأية صلة.