ليس في نيتي هنا أن أبحث بالتفصيل تلك المضامين التي تنطوي على أهمية قصوى، والتي تتجلى في التعليقات الختامية لآرنولد على الثقافة. ولكن من الجدير بنا أن نصرّ، على الأقل، على بعض تلك المضامين في إطار أعرض من الإطار الذي وضعها فيه آرنولد. فحتى لو كانت الثقافة هي المثل الأعلى بالنسبة لآرنولد، يجب النظر إليها بنفس هذا المنظار من أجل الشيء الذي ينتفي منها ومن أجل الشيء الذي تنتصر عليه حين تكون موضع تقديس الدولة ومن أجل حقها بذلك التقديس حين تكون واقعية. وهذا يعني أن الثقافة عبارة عن منظومة من التمييزات والتقويمات- الجمالية أساسًا على الأرجح- كما قال ليونيل تريلينغ، بيد أنها ليست أقل قهرًا ولذلك السبب نفسه (13) لأن شريحة من الدولة تكون قادرة على التشبه بها، كما يعني أن الثقافة عبارة عن منظومة من النفايات المشترعة من الأعلى ولكن قوانينها مسنونة من خلال جماعتها السياسية، وبتلك المنظومة يمكن رصد أمور من أمثال الفوضى والشغب واللاعقلانية والدونية والذوق السقيم واللا أخلاقية، ويمكن نبذها واستبقاؤها هناك بواسطة سلطة الدولة ومؤسساتها.
إذ لو صحّ القول بأن الثقافة، من ناحية أولى، هي العقيدة الإيجابية لأفضل ما يستخلصه الفكر ويعرفه، فهي أيضًا من ناحية أخرى بمثابة العقيدة السلبية التفاضلية لكل ما ليس بأفضل.
ولئن كنا قد تعلمنا مع ميشيل فوكو أن ننظر إلى الثقافة نظرتنا إلى سيرورة متشحة بالمؤسسات، وسيرورة تستبقي مناسبًا كل ما تراه مناسبًا لها، فقد رأينا فوكو أيضًا وهو يبين كيف أن آخريات معينة، آخرين معينين، قد استبقوا صامتين، خوارج، أو استبقوا -في الحالة التي درس فيها قانون العقوبات والكبت الجنسي- مدجنين لصالح الاستعمال في قلب الثقافة.