فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 581

إن جهابذة الثقافة هم أولئك الرجال المتحمسون لنشر أفضل معلومات وأفضل أفكار زمانهم، ولتيسير سيادتها ونقلها من هذا الطرف في المجتمع إلى ذاك، وهم أولئك الرجال المجتهدون لتشذيب المعرفة من كل ما كان فظًا سقيمًا عسيرًا عويصًا احترافيًا ومنّاعًا، بغية إضفاء مسحة إنسانية عليه وجعله مجديًا خارج إطار زمرة المصقولين والمتعلمين شريطة استبقائه بين أفضل معلومات وأفكار الزمان [هذا هو بالتأكيد التعريف الذي ساقه آرنولد للثقافة] وجعله، من ثم، مصدرًا حقيقيًا للطلاوة والنور. (11)

? إن السؤال الذي تطرحه هنا حماسة آرنولد للثقافة هو العلاقة بين الثقافة والمجتمع فهو يحاول أن يبرهن على أن المجتمع هو الأساس المادي والفعلي الذي تحاول الثقافة أن توسع هيمنتها عليه من خلال جهابذة الثقافة. ولذلك فإن العلاقة المثلى بين الثقافة والمجتمع ما هي إلا علاقة تطابق يغطي الأول فيها الثاني. بيد أن الأمر الذي يتجاهله قراء آرنولد مرارًا وتكرارًا هو أن آرنولد يتصور هذا الطموح الذي تطمح إليه الثقافة لبسط هيمنتها على المجتمع إن هو بالأساس إلا طموح ديدنه الصراع: أي أن أفضل المعلومات وأفضل الأفكار عليها أن تتبارى مع كل الإيديولوجيات والفلسفات والعقائد والتصورات والقيم المتضاربة فيما بين بعضها بعضًا، علاوة على أن التبصر الذي كان لدى آرنولد كان مؤاده أن الشيء الذي يحدق به الخطر في المجتمع ليس مجرد صقل الأفراد، أو تطوير زمرة من الإحساسات المرهفة، أو بعث الاهتمام بالآداب الكلاسيكية، وإنما كان إحكام الهيمنة المطلقة، بعد نوالها والظفر بها، لزمرة من الأفكار المتماثلة التي يدعوها آرنولد توقيرًا لها بالثقافة، على غيرها من الأفكار الأخرى في المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت