وحين يتحدث أورباخ عن عدم قدرته على كتابة كتاب مثل"المحاكاة"لو أنه بقي في أوربا، فإنه يشير بالتحديد إلى تلك الشبكة المتصالبة المتألفة من تقنيات البحث ومن القوانين الأخلاقية- وهي الشبكة التي من خلالها تفرض الثقافة السائدة على الباحث الفرد قوانينها المتعلقة بكيفية إجراء الدراسة الأدبية. ومع ذلك فحتى هذا النوع من الفرض ليس إلا مظهرًا ثانويًا من مظاهر قدرة الثقافة على السيطرة على العمل وعلى تجويزه. وأما الشيء الأهم في الثقافة فهو أنها منظومة من القيم التي ترشح إلى تحت كي تغمر بقطراتها كل شيء تقريبًا ضمن نطاقها هي، وإلى حد البلل. ولكن المفارقة العجيبة تكمن في أن الثقافة تتحكم من فوق دون أن تكون، في الوقت نفسه، متاحة لأي شيء ولأي إنسان تتحكم به. وواقع الحال في عصرنا هذا، عصر المواقف المتأنية عن وسائل الإعلام، أن الإصرار الإيديولوجي، الذي تصر عليه هذه الثقافة أو تلك لاستقطاب الانتباه إليها على أنها سامية قد حل به الوهن وحلّت محله ثقافة صارت قوانينها ومعاييرها خفية إلى ذلك الحد الذي صارت تبدو فيه بأنها"طبيعية وموضوعية وحقيقية".
إن المرء ليفترض، من منطلق تاريخي، أن الثقافة كانت دائمًا تعني ضمنًا التسلسلات الهرمية وذلك لأنها عزلت الخاصة عن العامة، الأمير عمن هم أقل تميزًا وهكذا دواليك.
وعلاوة على ذلك فقد جعلت بعض الأساليب والأنماط الفكرية تطغى على ما عداها. ولكن توجهها كان على الدوام يتمثل بالتحرك إلى تحت من ذروة القوة والتميز كي تنثر وتنشر وتوسع نفسها على أوسع نطاق ممكن. فالثقافة في شكلها النفعي هي تلك الثقافة التي يتحدث عنها ماثيو آرنولد في كتابه المعنون بـ"الثقافة والفوضى". باعتبارها تثير في أشياعها حماسة متقدة: