إن فكرة الثقافة لفكرة فضفاضة بالطبع. ولكن الثقافة، ككتلة منهجية ذات دلالة سياسية واجتماعية وتاريخية أيضًا، فضفاضة بدورها كفكرتها، والدليل على ذلك يقوم في معجم كروبر كلوكون عن معاني كلمة الثقافة في ميدان علم الاجتماع (10) . بيد أنني سأتفادى ذكر تفاصيل هذه المعاني المتكاثر بعضها من بعض، وأكتفي بالتطرق مباشرة إلى ما أظنه يخدم أهدافي هنا على أفضل ما يرام. فالثقافة يتم استخدامها، في المقام الأول، لا لتحديد الشيء الذي ينتمي إليه المرء وحسب، وإنما لتحديد الشيء الذي يمتلكه المرء، ناهيك عن تحديدها أيضًا، فضلًا عن عملية الامتلاك السالفة الذكر، ذلك الحد الفاصل الذي تحتدم عليه معركة ضارية بين مفهوم الشيء الدخيل على الثقافة ومفهوم الشيء الذي من صلبها هي، فهذه الأشياء ليست مثار جدل البتة: إذ إن معظم الناس الذين يستغلون مقولة الثقافة يوافقون عليها ولا بد، مثلما يوافق عليها أورباخ في خاتمة كتابه حين يتحدث عن وجوده في استانبول بعيدًا عن بيئته الثقافية المألوفة. بعيدًا عن صلب مواد البحث والبيئة المعتادة.
ولكن، في المقام الثاني، هنالك بعد أكثر تشويقًا لفكرة الثقافة هذه ألا وهو تملكها الامتلاك، أي بما معناه أن الثقافة بمقدورها، بفضل موقعها الرفيع أو السامي، أن تجيز وتهيمن وتحلّل وتحرّم، وأن تخفض منزلة شيء ما أو أن ترفع من مقامه، الأمر الذي يعني بوجيز العبارة: قدرة الثقافة على أن تكون وسيلة، أو ربما الوسيلة الأساسية، للإتيان بالتمييز القاطع في قلب مضمارها هي وفيما خلف ذلك المضمار أيضًا، فهذه الفكرة هي الفكرة الجلية في الاستشراق الفرنسي، على سبيل المثال، كشيء متميز عن الاستشراق الانكليزي، وهذا بدوره يلعب دورًا رئيسيًا في عمل إيرنست رينان ولويس ماسينون وريموند شواب الذين يمثلون أكابر الباحثين، والذين سيكون عملهم موضع التقويم في الجزء الأخير من هذا الكتاب.