إن أورباخ يقرن بين عقيدة هوغو حيال المنفى وبين فكرتي الفاقة والبلد الأجنبي (paupertass- terra aliena) ، على الرغم من أنه في الكلمات الأخيرة من مقالته يؤكد على أن شرعة التقشف الكامنة في التشرد المتعمد هي"وسيلة جيدة أيضًا للإنسان الذي يتمنى أن يحظى بحب لائق للعالم". وهكذا فعند هذه النقطة تتجلى خاتمة أورباخ في كتاب"المحاكاة":"من الممكن تمامًا أن يكون الكتاب مدينًا بوجوده لنفس هذا النقص المتمثل بانعدام وجود مكتبة غنية ومتخصصة". وبكلمات أخرى كان الكتاب مدينًا بوجوده لنفس تلك الحقيقة التي مفادها أن المنفى والتشرد كانا في المشرق لا في المغرب الأوربي. ولئن كان الواقع على هذا النحو فإن كتاب"المحاكاة"نفسه لن يكون كما كان الظن فيه مرارًا وتكرارًا، مجرد توكيد للتراث الثقافي الغربي وحسب، وإنما سيكون أيضًا عملًا مبنيًا على اغتراب هام وحقيقي عن ذلك التراث، وعملًا لا يستمد شروط وظروف وجوده مباشرة من تلك الثقافة التي يصفها بمثل ذلك النوع من التبصر والألمعية النادرين، بل يستمدها على الأرجح من ابتعاد معضل عنها. وعلاوة على ذلك يشتط أورباخ إلى حد القول، كما يروي لنا في فصل سابق من فصول"المحاكاة"، بأنه لو حاول القيام بعمل دراسي كامل وبالطريقة التقليدية لما كان بمقدوره أن يكتب ذلك الكتاب: إذ لكانت الثقافة نفسها، بمؤسساتها الرسمية والمأذونة، قد منعت إقدام رجل واحد على إنجاز مهمة بهذه الجسارة. فمن هنا جاءت القيمة التنفيذية للمنفى، تلك القيمة التي استطاع أورباخ تحويلها واستغلالها لتنفيذ عمل مجد.