إن الجواب على هذا السؤال موجود في المقالة التي كتبها أورباخ في خريف حياته بعنوان"فيلولوجيا الأدب العالمي". فالقسط الأكبر من هذه المقالة يحبك تلك الفكرة التي ظهرت على أوضح ما يكون للوهلة الأولى في كتاب"المحاكاة"، والتي من الممكن تقديرها سلفًا في الاهتمام الباكر الذي أولاه أورباخ لفيكو، ومفادها أن العمل الفيلولوجي يتعامل مع الإنسانية جمعاء ويتخطى الحدود القومية. فكما يقول:"إن موطننا الفيلولوجي هو المعمورة، إذ لم يعد بوسعه البقاء ضمن إطار الأمة". ولكن مقالته تبين أن موطنه الدنيوي هو الثقافة الأوربية. بيد أنه، وكأنما يتذكر اقتلاعه من جذوره الأوربية ومنفاه في المشرق، يضيف قائلًا:"إن أثمن قسط من إرث الفيلولوجي، والقسط الذي لا غنى عنه، لا يزال يكمن في إرث وثقافة أمته ذاتها. وإن عمله لن يكون مجديًا قولًا وفعلًا إلا حين ينفصل أولًا عن هذا الإرث ومن ثم يتخطاه" (7) وهكذا فابتغاء التوكيد على القيمة المستحبة التي تكمن في الانفصال عن الموطن يستشهد أورباخ بفقرة مما يقوله هوغو في كتاب"التهذيب"للقديس فيكتور-:
ولذلك فإن مصدرًا عظيمًا من مصادر الفضيلة بالنسبة للذهن المتمرس هو أن يتعلم بادئ ذي بدء، ورويدا رويدًا، تبدل موقفه من الأشياء المنظورة والعابرة كي يتمكن لاحقًا من أن يخلفها كلها وراءه. فالإنسان الذي يرى موطنه أثيرًا على نفسه هو إنسان غفل طري العود، والإنسان الذي ينظر إلى أية تربة وكأنها تربة موطنه فهو إنسان قوي، وأما الإنسان الكامل فهو ذلك الإنسان الذي يرى العالم بأسره غريبًا عليه.(إن النص اللاتيني بهذا الخصوص على أوضح ما يكون إذ يقول:
وهذا هو كل ما يقتبسه أورباخ من هوغو، في حين أن بقية الفقرة تتواصل على المنوال نفسه: