فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 581

وحين يختار أورباخ أن يذكر استانبول كمكان منفاه فإنه يضيف بذلك شحنة مأساوية أخرى على ظهور كتاب"المحاكاة"بشكل فعلي. فبالنسبة لأي أوربي متمرس أساسًا بالآداب الرومانية زمن القرون الوسطى وزمن الانبعاث الحضاري، بالشكل الذي كانه أورباخ، فإن استانبول لا تجسّد ضمنًا مكانًا خارج أوربا بتلك البساطة وحسب. فاستانبول تمثل التركي المرعب، والإسلام أيضًا، أي بعبع الديار المسيحية والرمز المجسّم لتلك الردة الدينية المشرقية الكبيرة. لقد كانت تركيا، طيلة العصر الكلاسيكي للثقافة الأوربية، هي المشرق كله ممثلًا بالإسلام العدواني المروّع (6) . بيد أن هذا لم يكن كل شيء. فالمشرق والإسلام كانا يمثلان أقصى درجات الغربة عن أوربا ويمثلان التصدي لأوربا والموروث الأوربي المتجسد باللاتينية المسيحية، فضلًا عن التصدي للسلطة المزعومة للكنيسة والمنزع الإنساني في التعليم والجماعة الثقافية الواحدة. لقد بقيت تركيا والإسلام، طيلة قرون وقرون، سيفًا مصلتًا على أوربا كوحش مركب عملاق يهدد أوربا بالدمار، إن وجود منفي أوربي في استانبول وقت الفاشية في أوربا كان يعني شكلًا صارمًا ومهيلًا جدًا من أشكال النفي عن أوربا.

ومع ذلك فإن أورباخ يكشف علانية سر تلك المفارقة التي مفادها أن بعده بالتحديد عن موطنه -بكل المعاني التي تنطوي عليها هذه العبارة- هو الشيء الذي أتاح له فرصة ذلك الإنجاز الرائع لكتاب"المحاكاة". فكيف تراه انقلب المنفى من تحد أو مخاطرة، لا بل ومن صدمة عنيفة لذاته الأوربية، إلى مهمة إيجابية، ومهمة سيكون نجاحها عملًا ثقافيًا ذا أهمية فائقة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت