ولذلك فقد كان هنا في استانبول يائسًا من أي اتصال له مع المرتكزات الأساسية السياسية والثقافية والأدبية التي كان يستند عليها ذلك التراث الهائل. وفي كتابة"المحاكاة"لم يكن يمارس، كما يلمح إلينا في عمل لاحق، احترافه فقط على الرغم من كل المعوقات: بل كان ينجز عملًا ثقافيًا، وحضاريًا حتى، وسرمديًا ذا أهمية قصوى. فالشيء الذي جازف به ما كان مجرد احتمال ظهوره في كتابته ضحلًا، متخلفًا عن العصر، مخطئًا وذا طموح سخيف (إذ من هو ذلك الإنسان ذو العقل السليم الذي يضطلع بعبء مشروع ضخم جدًا ضخامة موضوع الأدب الغربي بأسره؟) . ولقد جازف أيضًا، من الناحية الأخرى، باحتمال عدم الكتابة والوقوع بالنتيجة فريسة المخاطر الحقيقية للمنفى: أي انعدام النصوص والموروثات والتواصلات التي تشكل شبكة ثقافة ما. فالمنفي الأوربي يصبح، لدى انعدام الوجود الفعلي للثقافة كما تتمثل ماديًا بالمكتبات ومؤسسات البحث ووجود كتب أخرى وباحثين آخرين، منبوذًا ومرتبكًا وبعيدًا كل البعد عن الحس والأمة والمناخ.