... ويقول سيد عن نفسه آنذاك، إنه لم يكن قد تخلّص بعد من ضغط الرواسب الثقافية في تكوينه العقلي والنفسي، وهي رواسب آتية من مصادر أجنبية، غريبة عن حسّه الإسلامي، وعلى الرغم من اتجاهه الإسلامي الواضح في ذلك الحين، إلا أن هذه الرواسب كانت تغبش تصوره وتطمسه! كان تصور الحضارة ـ كما هو الفكر الأوروبي ـ يخايل له ويغبش تصوره، ويحرمه الرؤية الصحيحة الواضحة، ثم انجلت الصورة عنده، فالمجتمع ... المسلم هوالمجتمع المتحضر فكلمة المتحضر إذن هي لغو، لا يضيف شيئًا جديدًا فالاختلاف إذن على تعريف الحضارة. (1)
... فالحضارة عند سيد قطب حين تكون الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده ـ متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية ـ تكون هذه الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررًا كاملًا وحقيقيًا من العبودية للبشر، وتكون هذه هي الحضارة الإنسانية (2) .
... ويرى الباحث أن هناك فرقًا بين الحضارة والمدنية ، فالحضارة تتعلق بالمفاهيم عن الحياة ، أي عن الكون والإنسان والحياة، فهي تتعلق بوجهة نظر في الحياة لها تعلق بالمبدأ الفكري الذي تحمله أمة من الأمم ، وتعمل على إعطاء حلول لمشاكل الإنسان الحياتية والآخروية، وذلك بتحقيق الاطمئنان للإنسانية المعذبة ، ولذلك يرى سيد أن ذلك لا يكون إلا بالإسلام لاغير، ولذلك فهو لا يرى الحضارة إلا في الإسلام، وأما المدنية فهي تتعلق بعالم الماديات من الصناعات والتقنيات ونحوها من الأشكال المادية.
(1) انظر: معالم في الطريق: ص107 .
(2) انظر: المصدر السابق: ص107 ، 108 .