الصفحة 64 من 247

... وبناءً على ذلك فالمجتمع المتحضر هو المجتمع الذي تكون فيه العبودية لله وحده فيستمد منه معتقداته وتصوراته وشعائره، ونظامه الاجتماعي وتشريعاته، والمجتمع المتمدن هو الذي يهتم بالأشكال المادية فقط، وعلى ذلك فالمجتمع المتحضر هو متمدن بالضرورة وكل شكل مادي فيه منبثق من مفاهيمه عن الأشياء، ليحقق الطمأنينة للإنسانية، ولكن المجتمع المتمدن تكون فيه أشكال مدنية كثيرة تسعى لتحقيق شهوات الإنسان التي لا تحصى بغض النظر عن المفهوم الإنساني الذي يسعى لتحقيق كرامة الإنسان.

... ويرى الباحث أن مالك في نقده لسيد كان يقصد بالحضارة المدنية، بدليل قول مالك عن سيد:"حين اعتقد وحملنا على الاعتقاد بأن المجتمع الإسلامي، هو على وجه التحديد متمدن" (1) ، مع أن سيد ذكر أنه كان يريد أن يكتب اسم الكتاب السابق"نحو مجتمع إسلامي متحضر"وليس كما ذكر الاسم مالك، فالملاحظ أن مالك قام بتغيير الألفاظ لأن هناك فرق كبير بين اللفظين، وعلى ذلك فكل ما بناه على هذا الأساس في نقده لسيد مردود عليه فالتمدن يتعلق بالأشكال المادية، وأما الحضارة فهي التي تعمل على تكريم الإنسان وإسعاده، قال تعالى:)وَلَقَد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (2) وتخاطب في الإنسان نزعتي الروح والجسد مجتمعتين دون طغيان إحداهما على الأخرى، مما يحقق الطمأنينة للنفس البشرية عن طريق تحقيق القيم الأربعة: الإنسانية والخلقية، والروحية، والمادية، في تناسق وتكامل فيما بينها، دون طغيان لقيمة على أخرى.

(1) فكرة الافريقية الآسيوية: ص246 .

(2) سورة الإسراء: آية: 70 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت