الصفحة 60 من 247

... ويرى الباحث أن ابن خلدون لم يرد فكرته الدورية إلى العصبية، على أنها رابطة فوق الدين أو من الممكن ترك الدين من أجلها، بل أراد أن يدرس المسألة من باب تعميم الفكرة التي يريدها، ذلك لأنه وجد من استقرائه، وجود دولٍ وحضارات لم تؤسس على أصول دينية، بل على أصول عصبية، فلذلك جعل العصبية عامل من عوامل إنشاء الدول والعمران ولأنه وجد أيضًا أصول عصبية في بداية بعض الدول العمرانية والحضارات فلذلك ذكر مفهوم العصبية من خلال دراسته التاريخ، ومما يدل على ذلك، قول ابن خلدون في فصل:""إن الملك والدولة إنما يحصلان بالقبيلة والعصبية""إن الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية... يقع فيه التنافس غالبًا، وقلّ أن يسلمه أحد لصاحبه، إلا إذا غلب عليه فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة وشيء منها لا يقع إلا بالعصبية". (1) "

... ومما يدلّل على أنه يريد نظرية عامه تنسحب على كل دول العالم بقوله:"إن الوجود وحياة البشر قد تتم دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبية، التي يقتدر بها على قهرهم، وحملهم على جادته، فأهل الكتاب والمتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة للمجوس الذين ليس لهم كتاب، فإنهم أكثر أهل العالم، ومع ذلك فقد كان لهم الدول والآثار فضلًا عن"

الحياة" (2) ."

... وإذا كان مالك قد أخذ على ابن خلدون بأنه أخذ بمفهوم العصبية فإن مالك نفسه قد ذكر أن العصبية لها دور بقوله:"الرابطة القبلية قد ظلت وحدها الرابطة الوثيقة التي توحد بين الرجال فيما يشبه وحدة رسالة، غير أن هذه الرابطة لم تكن بكافية لتأهيل شعب، ليؤدي رسالة تاريخية" (3) .

(1) مقدمة ابن خلدون: ص154

(2) المصدر السابق: ص44

(3) شروط النهضة: ص20

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت