الصفحة 59 من 247

... ولقد أخذ مالك بهذه الفكره، وأقر بنظرية الدورة الحضارية، واعتمد على حدّي الميلاد والأفول في رسم التشكيل البياني لخطته الحضارية، وادخل ذلك ضمن ثلاثة أطوار حياتية طور الروح، وطور العقل، وطور الغريزة، وهو بذلك كان مقلدًا لابن خلدون، إلا انه أدخل مفاهيم علم النفس في تحليلاته، مثل الغريزة، والعقل، وعملية الشرط، أي قد صاغ نظرية ابن خلدون بألفاظ معاصرة.

المفهوم الديني:

... إن ابن خلدون قد أولى اهتمامًا كبيرًا للمفهوم الديني في نشوء الدول والعمران ولأهمية ذلك فقد وضعه عنوانًا لأحد فصول مقدمته،"أن الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك، أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق"حيث يقول فيه"وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يحصل بالعصبية، واتفاق الأهواء على المطالب، وجمع القلوب وتأليفها، إنما يكون بمعونة الله في إقامة دينه" (1) قال تعالى: ( لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (2) .

... ولقد أخذ مالك بهذا المفهوم، ولكنه أطلق عليه اصطلاحًا يوافق هذا العصر بقوله عنه المركب الحضاري:"إن هناك ما يطلق عليه"مركب الحضارة"أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة: الإنسان ـ التراب ـ الوقت ، بعضها ببعض، نجد أن هذا المركب هو الفكرة الدينية، التي رافقت دائمًا تركيب الحضارة خلال التاريخ" (3) .

نقد مالك لابن خلدون:

لقد وجه مالك نقده لابن خلدون فيما يتعلق بمفهوم العصبية:

... يقول فيها:"تختفي عمق فكرة الدورة في نظرية ابن خلدون، عن الأجيال الثلاثة خلف مصطلحات ضيقة ضحلة، فقد رد نطاق الحضارة إلى حدود العصبية" (4) .

(1) مقدمة ابن خلدون: ص157 .

(2) سورة الأنفال: آية: 63 .

(3) انظر: شروط النهضة: ص45 ، 46 .

(4) انظر: وجهة العالم الإسلامي: ص24 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت