... وبذلك يظهر أن ابن خلدون أول من ذكر مفهوم الدورة الحضارية، بمعنى أن أي حضارة تسير في مسار مشابه للإنسان، من ميلاد ثم شباب ثم موت، فعندما أراد دراسة التاريخ الإنساني بالبحث عن الأسباب والعلل ، بحث في عوامل البناء والدمار في التاريخ والحضارات على أساس أنها تولد وتموت عبر الزمن، من خلال ثلاثة أجيال، فإن"الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال ، الجيل الأول الذي لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها ، والجيل الثاني الذي تحول حالهم بالملك والترف من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، والجيل الثالث الذي ينسون عهد البداوة ، كأن لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف غايته... فهذه كما تراه ثلاثة أجيال، فيها يكون هرم الدولة" (1) وفي الجيل الرابع تسقط الحضارة لتبدأ حضارة جديدة من جديد.
... ولقد اعترف مالك بفضل ابن خلدون، في استنباط فكرة الدورة بقوله"كان ابن خلدون وحده هو أول من استنبط فكرة"الدورة"في نظريته عن الأجيال الثلاثة... فإنها تدفعنا إلى تأكيد الجانب الانتقالي في الحضارة، أي أننا لا نرى فيها سوى تعاقب ظواهر عضوية لك منها بالضرورة في مجالها المعين بداية ونهاية، وتأتي أهمية هذه النظرة، من أنها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط، أي على قوى الجمود داخل الحضارة، إلى جانب شرائط النمو والتقدم، فهي تتيح لنا أن نجمع كلًا لا تتجزأ مراحله". (2)
(1) مقدمة ابن خلدون: ص170،ص 171 .
(2) وجهة العالم الإسلامي: ص24 .