الصفحة 57 من 247

... ولقد أخذ مالك بنفس المنهج في دراسته للحضارات في البحث عن علل تكونها بقوله:"إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو أن يحل مشكلتهما ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" (1) فلابد أن يكون"المنهج الذي يتناول واقعة الحضارة، لا على أنها سلسة من الأحداث يعطينا التاريخ قصتها؛ بل كظاهرة يرشدنا التحليل إلى جوهرها، وربما يهدينا إلى قانونها أي إلى سنة الله فيها" (2) ويقرر مالك أخيرًا"أن ابن خلدون تمكن من اكتشاف منطق التاريخ في مجرى أحداثه، فكان بهذا المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن هذا المنطق ، إذا لم نقل إنه قد قام بصياغته" (3) .

نظرية ابن خلدون في الحضارة:

... لقد وضح ابن خلدون في مقدمته المشهورة أن بناء الدولة هي المقدمة لبناء الحضارة، وهو يرى أن أعمار الدولة أربعة أجيال، وكما أن الناس يتشابهون فيما يجرى عليهم أثناء رحلة العمر، فكذلك الدول تتشابه في ميلادها ومسارها وما يجري عليها، ولقد اعتبر ذلك محورًا لآرائه، فيرى أن البداوة هي المرحلة الأولى من حياة كل جماعة إنسانية فالتطور الاجتماعي الحضاري يبدأ عند ابن خلدون عند أهل البداوة، ويتطور حتى يصيروا أهل حضر (4) .

..."وعلى هذا فالتاريخ والحضارة عند ابن خلدون دورة متصلة، وصراع دائم على الملك والرياسة، أو ما يسميه ابن خلدون بالمجد والشرف، فأهل البداوة يتطلعون أبدًا إلى التغلب على بلاد الحضر للاستمتاع بخيراتها، فإذا وصلوا إلى الملك استناموا إلى الترف وأخذت أجياله تضعف نتيجة لانغماسهم في الحضارة وفساد طبائعهم، وهنا تتطلع أمة جديدة من أهل البداوة إلى الحلول محلهم في الملك والغنى والنعيم" (5)

(4) انظر: الحضارة: حسين مؤنس ، ط2 ، عام 1978 م ، ص154 ، مقدمة ابن خلدون ، عبد الرحمن ابن خلدون ص172 .

(5) المصدر السابق: ص156 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت