وهذا القول غير مخالف لما قبله، لأن من قال به قد منع الرأى وإن كان غير مذموم، لأن الإكثار منه ذريعة إلى الرأى المذموم، وهو ترك النظر في السنن اقتصارًا على الرأى، وإذا كان كذلك اجتمع مع ما قبله، فإن من عادة الشرع أنه إذا نهى عن شىء وشدد فيه منع ما حواليه وما دار به ورتع حول حماه، ألا ترى إلى قوله عليه السلام (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهة) [1] ، وكذلك جاء في الشرع أصل سد الذرائع، وهو منع الجائز لأنه يجر إلى غير الجائر، وبحسب عظم المفسدة في الممنوع، يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته.
والحاصل من جميع ما تقدم أن الرأى المذموم ما بنى على الجهل واتباع الهوى من غير أن يرجع إليه، وما كان منه ذريعة إليه وإن كان في أصله محمودًا، وذلك راجع إلى أصل شرعى، فالأول داخل تحت حد البدعة وتتنزل عليه أدلة الذم، والثانى خارج عنه ولا يكون بدعة أبدًا.
الوجه السادس من النقل:
يذكر فيه بعض ما في البدع من الأوصاف المحذورة، والمعانى المذمومة، وأنواع الشؤم، وهو كالشرح لما تقدًّم أولًا، وفيه زيادة بسط وبيان زائد على ما تقدم في أثناء الأدلة، فلنتكلم على ما يسع ذكره بحسب الوقت والحال.
فاعلموا أن البدعة:
(1) ... البخارى (52، 2051) ومسلم (1599) وأبو داود (3329) والترمذى (1205) والنسائى (8/327) وابن ماجة (3984) وأحمد (4/269، 270) والدارمى (2/245) والطبرانى في الأوسط (2472) وابن حبان (721) .