الصفحة 87 من 471

وقد اختلف العلماءُ في الرأى المقصود بهذه الأخبار والآثار. فقد قالت طائفة المراد به رأى أهل البدع المخالفين للسنن، لكن في الاعتقاد كمذهب جهم وسائر مذاهب أهل الكلام لأنهم استعملوا آراءهم في رد الأحاديث الثابتة عن النبى - صلى الله عليه وسلم - .

وقالت طائفة إنما الرأى المذموم المعيب؛ الرأى المبتدع وما كان مثله من ضروب البدع، فإن حقائق جميع البدع رجوع إلى الرأى، وخروج عن الشرع وهذا هو القول الأظهر. إذ الأدلة المتقدمة لا تقتضى بالقصد الأول من البدع نوعًا دون نوع بل ظاهرها تقتضى العموم في كل بدعة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، كانت من الأصول أو الفروع.

وقالت طائفة وهم -فيما زعم ابن عبد البر [1] - جمهور أهل العلم: الرأى المذكور في هذه الآثار هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع والنوازل بعضها إلى بعض قياسًا، دون ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأى قبل أن تنزل، وفرعت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون، بالرأى المضارع للظن، قالوا: لأن في الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله تعالى ومعانيه واحتجوا على ذلك بأشياء، منها أن عمر رضى الله عنه لعن من سأل عما لم يكن، وما جاء من النهى عن الأغلوطات [2] -وهى صعاب المسائل- وعن كثرة السؤال، وأنه كره المسائل وعابها، وإن كثيرًا من السلف لم يكن يجيب إلا عما نزل من النوازل دون ما لم ينزل.

(1) ... جامع بيان العلم وفضله (2/1054) .

(2) ... ضعيف: رواه أبو داود (3656) وأحمد (5/435) وهو في جامع بيان العلم (2037) وفسره بعضهم: بصعاب المسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت