الوجه الثالث: أن قول الشاطبى:"ترك الاعتراض على الكبراء محمود كان المعترض فيه مما يفهم أو لا يفهم"-مردود بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والسلف- قبل أن تعرف الصوفية-، فإن ترك الاعتراض محمود إذا كان المعترض عليه معصوم لا ينطق عن الهوى، وهذا لا يكون إلا للكتاب والسنة، أما ما سواهما، فقد قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [1] ، وهؤلاء هم الكبراء -أى الأحبار والرهبان- وإنما اتخذهم النصارى أربابًا من دون الله لما اتبعوهم في أقوالهم وتركوا الاعتراض عليهم فيما يخالف شرائع الله، ولهذا كان الصحابة يعترض بعضهم على بعض حتى لو كان المعترض عليه من الكبراء، وحوادثهم في ذلك مشهورة [2] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... التوبة: 31.
(2) ... ومن ذلك اعتراض عمر وغيره على أبى بكر لما أراد حرب مانعى الزكاة حتى تبين لهم بالدليل، واعتراض ابن عباس على من اتبع أبى بكر وعمر في نهيهم عن متعة الحج، واعتراض أبى عبيدة على عمر لما أراد عدم الدخول إلى الشام لانتشار الطاعون فيها، واعتراض على وعمران على عثمان لنهيه عن متعة الحج، واعتراض ابن مسعود وغيره على عثمان لما أتم الصلاة في منى، والآثار في هذا الباب كثيرة.
... قلت: ومنه أيضًا مراجعات الصحابة للنبى - صلى الله عليه وسلم - كما راجعه العباس في شجر الحرم (فقال: إلا الإذخر، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: إلا الإذخر) متفق عليه، وكما راجعته أم سلمة في الصلاة بعد العصر وأجابها، وكما راجعه ابن عمر في الصلاة جالسًا، وكما راجعوه في القدور التى طبخت فيها لحوم الحمر الإنسية، فقال: أهريقوها واكسروها، فقالوا: أو نهريقها ونغسلها ؟ فقال أو ذاك"رواه مسلم (1802) ومثل ذلك كثير جدًا وكله صحيح ثابت، ولكن كان ذلك بأدب وطلب للرفق، لاكما تزعم الصوفية: من اعترض انطرد!!"