الصفحة 79 من 471

فهؤلاء -وهم أفضل الخلق- كانوا يدعون الله سبحانه رغبة ورهبة، فأى رتبة أعلى من رتبتهم؟ وقال تعالى -عن إبراهيم خليله-: { واجعلنى من ورثة جنة النعيم } [1] ، وقال تعالى عن عباده -مثنيًا عليهم-: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعا } [2] ، وقال تعالى: { ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا } [3] ، وهذا كان حال سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - .

ففى الصحيحين أحاديث كثيرة فيها تعوذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عذاب النار ومن جهنم وسؤاله الجنة وتعليمه ذلك للمسلمين [4] ، وروى أحمد وابن ماجه وغيرهم من طريق جبر بن حبيب عن أم كلثوم بنت أبى بكر عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمها أن تقول دعاء وفيه:(وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل) [5] ، والأحاديث في هذا كثيرة ومعروفة.

والعمل المجرد من الخوف والرجاء هو الذى أدخل الزندقة في كثير من المتصوفة الذين زعموا تجردهم عن الالتفات للجنة أو النار، وإنما يعبدون الله لمحبتهم له، فصاروا يحتقرون عذاب الله وناره، ويتهاونون بالجنة ونعيمها، ولهذا قال بعض العلماء:"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حرورى [6] ، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد".

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى -ردًا على هؤلاء [7] -:

(1) ... الشعراء: 85.

(2) ... السجدة: 16.

(3) ... الإسراء: 57.

(4) ... انظر صحيح مسلم (590، 903، 963، 2688، 2690، 2867) والبخارى (1372، 1377، 6368، 6375، 6376، 6389) .

(5) ... صحيح رواه ابن ماجة (3846) .

(6) ... يعنى من الخوارج الذين يكفرون بالذنوب.

(7) ... (النبوات) ص68، 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت