الصفحة 396 من 471

قيل: بلى، قد قال به طائفة منهم في بعض الكبائر في مشية الله تعالى، لكن دلهم الدليل في خصوص كبائر على أنها خارجة عن ذلك الحكم، ولابد من ذلك، فإن المتبع هو الدليل، فكما دلهم على أن أهل الكبائر على الجملة في المشيئة، كذلك دلهم على تخصيص ذلك العموم الذى في قوله تعالى: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [1] ، فإن الله تعالى قال: { ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم ... } [2] .

قال ابن رشد: ومن شروط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التبعات إليهم.

وهذا مما لا سبيل إلى القاتل إليه، إلا بأن يدرك المقتول حيًا، فيعفو عنه بطيب نفسه.

وأولى من هذه العبارة أن نقول: ومن شرط خروجه من تباعة القتل مع التوبة استدراك ما فات على المجنى عليه: إما بالتحلل منه، وإما ببذل القيمة له، وهو أمر لا يمكن بعد موت المقتول، فكذلك لا يمكن في صاحب البدعة من جهة الأدلة، فراجع ما تقدم في الباب الثانى، تجد فيه كثيرًا من التهديد والوعيد المخوف جدًا.

قال مالك رحمه الله عليه: إن العبد لو ارتكب جميع الكبائر بعد أن لا يشرك بالله شيئًا، وجبت له أرفع المنازل، لأن كل ذنب بين العبد وربه هو منه على رجاء، وصاحب البدعة ليس هو منها على رجاء، إنما يهوى به في نار جهنم. فهذا منه نص في إنفاذ الوعيد.

والثانى: أن يكون مقيدًا بأن يشاء الله تعالى إصلائهم في النار، وإنما حمل قوله: (كلها في النار) ، أى: هى ممن يستحق النار، كما قالت الطائفة الأخرى في قوله: (فجزاؤه جهنم خالدًا فيها [3] ، أى: ذلك جزاؤه إن جازاه، فإن عفا عنه، فله العفو إن شاء الله، لقوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [4] ، فكما ذهبت طائفة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة -وإن لم يكن الاستدراك كذلك-، يصح أن يُقال هنا بمثله.

13-المسألة الثالثة عشرة

(1) ... النساء: 48.

(2) ... النساء: 93.

(3) ... النساء: 93.

(4) ... النساء: 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت