أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إلا واحدة) ، قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فِرَق أيضًا، لم يقل: (إلا واحدة) ، ولأن الاختلاف منفى عن الشريعة بإطلاق، لأنها الحاكمة بين المختلفين، لقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول } [1] ، إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضى الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة.
وقوله: (فى شىء) نكرة في سياق الشرط، فهى صيغة من صيغ العموم، فتنتظم كل تنازع على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا أمر واحد، فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقًا.
وقال تعالى: { وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } [2] ، وهو نص فيما نحن فيه، فإن السبيل الوحيد لا يقتضى الافتراق (الواحد) ، بخلاف السبل المختلفة.
14-المسألة الرابعة عشرة
أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يعيِّن من الفرق إلا فرقة واحدة، وإنما تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرقة الناجية حين سئل عنها، وإنما وقع ذلك كذلك، ولم يكن الأمر بالعكس، لأمور:
أحدها: أن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في البيان بالنسبة إلى تعبُّد المكلف والأحق بالذِكر، إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عينت الواحدة.
وأيضًا، فلو عينت الفرق كلها إلا هذه الأمة، لم يكن بد من بيانها.
والثانى: أن ذلك أوجز، لأنه إذا ذكرت نحلة الفرقة الناجية، علم على البديهة أن ما سواها مما يخالفها ليس بناج، وحصل التعيين بالاجتهاد.
والثالث: أن ذلك أحرى بالستر، كما تقدم بيانه في مسألة الفرق، ولو فسرت، لناقض ذلك قصد الستر، ففسر ما يحتاج إليه، وترك ما لا يحتاج إليه، إلا من جهة المخالفة، فالعقل وراء ذلك مرمى تحت أذيال الستر، والحمد لله.
(1) ... النساء: 59.
(2) ... الأنعام: 153.