وفى الصحيح عن أبى واقد الليثى، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها:"ذات أنواط:. فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم النبى - صلى الله عليه وسلم -: (الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلية، لتركبن سنن من كان قبلكم) [1] ."
وصار حديث الفرق بهذا التفسير صادقًا على أمثال البدع التى تقدمت لليهود والنصارى، وأن هذه الأمة تبتدع في دين الله مثل تلك البدع وتزيد عليها ببدعة لم تتقدمها فيها واحدة من الطائفتين، ولكن هذه البدعة الزائدة إنما تعرف بعد معرفة البدع الأخر، وقد مر أن ذلك لا يعرف، أو لا يسوغ التعريف به وإن عرف، فكذلك لا تتعين البدعة الزائدة، والله أعلم.
وفى الحديث أيضًا عن أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بما أخذ القرون من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع) . فقال رجل: يا رسول الله! كما فعلت فارس والروم؟ قال: (وهل الناس إلا أولئك) [2] .
وهو بمعنى الأول، إلا أنه ليس فيه ضرب مثل، فقوله: (حتى تأخذ أمتى بما أخذ القرون من قبلها) ، يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به، إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها.
فالذى يدل على الأول قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم ... ) الحديث، فإنه قال فيه: (حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب، لاتبعتموهم) .
(1) ... صحيح: رواه من حديث أبي واقد الليثي: الترمذي (2181) وأحمد (5/218) والسنة لابن أبي عاصم (76) وابن حبان (6702) والنسائي في الكبرى (11185) وابن أبي شيبة (7/479) . ورواه الطبراني من حديث عمرو بن عوف وفي سنده كثير بن عبد الله كما في مجمع الزوائد (7/24) .
(2) ... رواه البخاري (7319) .