ولكن له علامة ظاهرة أيضًا، نبه عليها الحديث الذى فُسرت الآية به، قال فيه: (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم) [1] ، خرجه القاضى إسماعيل بن إسحاق، وقد تقدم أول الكتاب.
فجعل من شأن المتبع للمتشابه أنه يجادل فيه ويقيم النزاع على الإيمان، وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك، إذ المتشابه لا يعطى بيانًا شافيًا، ولا يقف منه متبعه على حقيقة، فاتباع الهوى يلجئه إلى التمسك به، والنظر فيه لا يتخلص له، فهو على شك أبدًا، وبذلك يفارق الراسخ في العلم، لأن جداله إن افتقر إليه، فهو في مواقع الإشكال العارض طلبًا لإزالته، فسرعان ما يزول إذا بين له موضع النظر.
وأما ذو الزيغ، فإن هواه لا يخليه إلى طرح المتشابه، فلا يزال في جدال عليه وطلب لتأويله.
وشأن هذا الجدال أنه شاغل عن ذكر الله وعن الصلاة، كالنرد والشطرنج، ونحوهما.
وقد نقل عن حماد بن زيد: أنه قال: جلس عمرو بن عبيد وشبيب بن شيبة ليلة يتخاصمان إلى طلوع الفجر. قال: فلما صلوا، جعل عمرو يقول: هيه أبا معمر!. فإذا رأيتهم أحدًا شأنه أبدًا الجدال في المسائل مع كل أحد من أهل العلم، ثم لا يرجع ولا يرعوى، فاعلموا أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه.
(1) ... تقدم تخريجه ص80، 407.