الصفحة 388 من 471

والخاصية الثالثة: اتباع الهوى، وهو الذى نبه عليه قوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } [1] ،والزيغ هو الميل عن الحق اتباعًا للهوى، وكذلك قوله: { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } [2] ، وقوله: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ... } [3] .

وليس في حديث الفرق ما يدل على هذه الخاصية [4] ، ولا على التى قبلها، إلا أن هذه الخاصية راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه، لأن اتباع الهوى أمر باطن، فلا يعرفه غير صاحبه إذا لم يغالط نفسه، إلا أن يكون عليها دليل خارجى.

وقد مر أن أصل حدوث الفرق إنما هو الجهل بمواقع السنة، وهو الذى نبه عليه الحديث بقوله: (اتخذ الناس رؤساء جهالًا) [5] .

فكل أحد عالم بنفسه: هل بلغ في العلم مبلغ المفتين أم لا؟ وعالم (إذا) راجع النظر فيما سئل عنه: هل هو قائل بعلم واضح من غير إشكال؟ أم بغير علم؟ أم هو على شك فيه؟ والعالم إذا لم يشهد له العلماء، فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم، حتى يشهد فيه غيره، ويعلم هو من نفسه ما شهد له به، وإلا، فهو على يقين من عدم العلم، أو على شك، فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى، إذ كان ينبغى له أن يستفتى في نفسه غيره ولم يفعل، وكان من حقه أن لا يقدم إلا أن يقدمه غيره ولم يفعل هذا.

وأما الخاصية الثانية: فراجعة إلى العلماء الراسخين في العلم، لأن معرفة المحكم والمتشابه راجع إليهم، فهم يعرفونها ويعرفون أهلها بمعرفتهم، فهم المرجوع إليهم في بيان من هو متبع للمحكم فيقلد في الدين، ومن هو متبع المتشابه فلا يقلد أصلًا.

(1) ... آل عمران: 7.

(2) ... القصص: 50.

(3) ... الجاثية: 23.

(4) ... خاصية اتباع الهوى وردت من حديث معاوية -وقد تقدم- وفيه (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ...) .

(5) ... تقدم ص108، 146، 399.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت