الصفحة 358 من 471

فهذه أدلة ظهر من معناها الرجوع في جملة من الأحكام الشرعية على ما يقع بالقلب وينجس بالنفس ويعرض بالخاطر، وأنه إذا اطمأنت النفس إليه، فالإقدام عليه صحيح، وإذا توقفت أو ارتابت، فالأقدام عليه محظور، وهو عين ما وقع إنكاره من الرجوع إلى الاستحسان الذى يقع بالقلب ويميل إليه الخاطر، وإن لم يكن ثم دليل شرعى، فإنه لو كان هنالك دليل شرعى أو كان هذا التقرير مقيدًا بالأدلة الشرعية، لم يحل به على ما في النفوس، ولا على ما يقع بالقلوب، مع أنه عندكم عبث وغير مفيد، كمن يحيل بالأحكام الشرعية على الأمور الوفاقية، أو الأفعال التى لا ارتباط بينها وبين شرعية الأحكام، فدل ذلك على أن لاستحسان العقول وميل النفوس أثرًا في شرعية الأحكام، وهو المطلوب.

فصلٌ

ثم يبقى إشكال على كل من اختار استفتاء القلب مطلقًا أو بقيد، وهو الذى رآه الطبرى، وذلك أن حاصل الأمر يقتضى أن فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر في الأحكام الشرعية، وهو التشريع بعينه، فإن طمأنينة النفس وسكون القلب مجردًا عن الدليل إما أن تكون معتبرة أو غير معتبرة شرعًا، فإن لم تكن معتبرة، فهو خلاف ما دلت عليه تلك الأخبار، وقد تقدم أنها معتبرة بتلك الأدلة، وإن كانت معتبرة، فقد صار ثم قسم ثالث غير الكتاب والسنة.

وإن قيل: إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام، لم تخرج تلك عن الإشكال الأول، لأن كل واحد من الإقدام والإحجام فعل لابد أن يتعلق به حكم شرعى، وهو الجواز وعدمه، وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم طمأنينتها، فإن كان ذلك عن دليل، فهو ذلك الأول بعينه، باق على كل تقدير.

والجواب: أن الكلام الأول صحيح، وإنما النظر في تحقيقه. فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين: نظر في دليل الحكم، ونظر في مناطه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت