الصفحة 359 من 471

فأما النظر في دليل الحكم، (فـ) لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس أو غيرهما، ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس ولا نفى ريب القلب، إلا من جهة اعتقاد كون الدليل دليلًا أو غير دليل، ولا يقول أحد (غير ذلك) إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل (عليها) أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا، وهو مخالف لإجماع المسلمين [1] .

وأما النظر في مناط الحكم، فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتًا بدليل شرعى فقط، بل يثبت بدليل غير شرعى أو بغير دليل، فلا يشترط (فيه) بلوغ درجة الاجتهاد، بل لا يشترط فيه العلم، فضلًا عن درجة الاجتهاد، ألا ترى أن العامى إذا سأل عن الفعل الذى ليس من جنس الصلاة إذا فعله المصلى: هل تبطل به الصلاة أم لا؟ فقال العالم: إن كان يسيرًا، فمغتفر، وإن كان كثيرًا، فمبطل، لم يعتقد في اليسير إلى أن يحققه له العالم، بل العاقل يفرق بين الفعل اليسير والكثير، فقد انبنى ها هنا الحكم -وهو البطلان أو عدمه- على ما يقع بنفس العامى، وليس واحدًا من الكتاب أو السنة، لنه ليس ما وقع بقلبه دليلًا على حكم، وإنما هو تحقيق مناط الحكم، فإذا تحقق له المناط بأى وجه تحقق، فهو المطلوب، فيقع عليه الحكم بدليله الشرعى.

وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة، وفرقنا بين اليسير والكثير في التفريق الحاصل أثناء الطهارة، فقد يكتفى العامى بذلك حسبما يشهد قلبه في اليسير أو الكثير، فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب، لأنه نظر في مناط الحكم.

(1) ... وانظر كلام الحافظ ابن حجر في الفتح حول هذه المسألة (1/267) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت