وقال بعض الحنفية: إنه القياس الذى يجب العمل به، وكأنه نوع من العمل بأقوى القياسين، وهو يظهر من استقراء مسائلهم في الاستحسان بحسب النوازل الفقهية.
بل قد جاء عن مالك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم.
وهذا الكلام لا يمكن أن يكون بالمعنى الذى تقدم قبل، وأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد بعقله، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه، فإن مثل هذا لا يكون تسعة أعشار العلم.
وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبى حنيفة، فليس بخارج عن الأدلة البتة، لأن الأدلة يقيِّد بعضها (بعضا) ويخصِّص بعضها بعضا، كما في الأدلة السُّنية مع القرآنية، ولا يرد الشافعى مثل هذا أصلا، فلا حجة في تسميته استحسانًا لمبتدع على حال.
ولابد من الإتيان بأمثلة تبين المقصود بحول الله، ونقتصر على أمثلة:
(أحدهما) : أن يعدل بالمسألة عن نظائرها بدليل الكتاب، كقوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم و (تزكيهم) بها } [1] فظاهر اللفظ العموم في جميع ما يتمول به، وهو مخصوص في الشرع بالأموال الزكوية خاصة، فلو قال قائل: مالى صدقة، فظاهر لفظه يعم كل ماله، ولكنا نحمله على مال الزكاة، لكونه ثبت الحمل عليه في الكتاب.
قال العلماء: وكأن هذا يرجع على تخصيص العموم بعادة فهم خطاب القرآن.
(1) ... التوبة: 103.