والثانى): قوله عليه السلام )ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن) [1] ، وإنما يعنى بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلا، لو كان حسنه بالدليل الشرعى، لم يكن من حسن ما يرون، إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما زعمتم، فلم يكن للحديث فائدة، فدل على أن المراد ما رواه برأيهم.
(والثالث) : أن الأمة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة ولا تقدير مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب لذلك، إلا أن المشاحة في مثله قبيحة في العادة، فاستحسن الناس تركه، مع أنا نقطع أن الإجارة المجهولة أو مدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل، فإنه ممنوع، وقد استحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليلًا.
فأنت ترى أن هذا الموضع مذلة قدم أيضًا لمن أراد أن يبتدع، فله أن يقول: إن استحسنت كذا وكذا، فغيرى من العلماء قد استحسن، وإذا كان كذلك، فلا (بد) من فضل اعتناء بهذا الفصل، حتى لا يغتر به جاهل أو زاعم أنه عالم، وبالله التوفيق.
فنقول: إن الاستحسان يراه معتبرًا في الأحكام مالك وأبو حنيفة، بخلاف الشافعى، فإنه منكر له جدًا، حتى قال:"من استحسن فقد شَرَّع".
والذى يستقرئ من مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين، هكذا قال ابن العربى.
ويشعر بذلك تفسير الكرخى (للاستحسان) : أنه العدول عن الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى.
(1) ... حسن: رواه أحمد (1/379) والبزار (130) والطبراني في الأوسط (3602) والكبير (8583) والحاكم في المستدرك (3/78) في معرفة الصحابة وصححه، وهو من قول ابن مسعود موقوفًا. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تخريج المسند (3600) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/177) : رجاله موثقون. ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/855 - ح 1618) وحسَّن إسناده محققُه الشيخ أبو الأشبال حفظه الله. وأما المرفوع منه فلا يصح، وانظر السلسلة الضعيفة للألباني (533) .