الصفحة 347 من 471

وإما مسكوتًا عنها فيه، كحرمان القاتل ومعاملته بنقيض مقصوده على تقدير عدم النص به، وقد تقدم نقل الإجماع على إطراح القسمين وعدم اعتبارهما.

ولا يقال: إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه، إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع، لعدم الملاءمة، ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالمأذون فيه -إن قيل بذلك-، فهى تفارقها، إذ لا يقدم على استنباط عبادة لا أصل لها، لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به، بخلاف العادات، والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى، وقد أشير إلى هذا المعنى في كتاب"الموافقات"وإلى هذا.

فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضرورى من باب الوسائل أو إلى التخفيف، فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات، لأن البدع من باب المقاصد، لأنها متعبد بها بالفرض، ولأنها زيادة في التكليف، وهو مضاد للتخفيف.

فحصل من هذا كله: أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم الملغى باتفاق العلماء، وحسبك به متعلقًا، والله الموفق.

وبذلك كله يُعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد، فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة، كما أن النقصان منه بدعة.

فصلٌ

فى الفرق بين البدع والاستحسان

وأما الاستحسان، فلأن لأهل البدع أيضًا تعلقًا به، فإن الاستحسان لا يكون إلا بمستحسِن، وهو إما العقل أو الشرع.

أما الشرع، فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما، لأن الأدلة اقتضت ذلك، فلا فائدة لتسميته استحسانًا، ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة والإجماع وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال.

فلم يبق إلا العقل هو المستحسن:

فإن كان بدليل، فلا فائدة لهذه التسمية، لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها.

وإن كان بغير دليل، فذلك هو البدعة التى تستحسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت